بنك فلسطين – الاستثمار في بورصة القضية

palastine.jpg2

رياض حمَّادي

الدول العربية لا تنظر للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية دينية إسلامية ولا بوصفها قضية عربية قومية. كل دول العالم تعتبرها قضية سياسية قابلة للحل وفقاً لمعطيات الواقع دون عمل أي اعتبار للإنسان أو للعدالة, ولا حتى للحقائق التاريخية. إسرائيل وأمريكا تنظران للقضية باعتبارها دينية ولذلك تصران على الهوية الدينية ممثلة في اسم الدولة “إسرائيل” وفي اختيار القدس عاصمة “أبدية”.

فشل الخيار القومي والإسلامي ببساطة لأنه خيار جماهيري غير مُجمع عليه من قبل الشعوب العربية نفسها ولا من قبل القيادات. هدف بعض الدول العربية الراعية لعمليات السلام من القضية الفلسطينية تحقيق مصالحها لا تحقيق مصالح الفلسطينيين, يدرك أبو مازن وبقية القادة الفلسطينيين هذه الحقيقة الماثلة لكنهم لا يريدون تحمل المسؤولية أو أنهم يخشون الاغتيال إن هُم تخلوا عن السلام المزعوم.

فكرة “إسراطين” أو الدولة العلمانية المشتركة فكرة حالمة تفترض أن إسرائيل دولة علمانية أو يمكن أن تصبح علمانية خصوصاً في علاقاتها بالمحيط العربي والإسلامي. فكرة الشعبين والدولة الواحدة غير قابلة للتنفيذ لأنها تصطدم بإصرار إسرائيل على هويتها الدينية ليس من خلال الكلام فقط ولكن من خلال ممارساتها على الأرض. يمكن لإسرائيل أن تقبل بفكرة الدولتين, لكنها تريد دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومقطعة الأوصال وقابلة للخنق في أي لحظة. لن تقبل إسرائيل بدولة فلسطينية قوية وذات سيادة على حدود 67, مثل هذه الدولة تعتبرها إسرائيل مصدر تهديد.

في الوقت الذي تؤكد فيه إسرائيل على هويتها الدينية تقوم بمحو وتجريف الهوية الفلسطينية ليس على مستوى الاستيطان واقتلاع الأشجار وهدم البيوت فقط ولكن على مستوى نهب التراث الفلسطيني, انظر على سبيل المثال الفيلم الوثائقي الذي أعدته رونا سيلع بعنوان (نهب وإخفاء) عن سرقة الإرشيفات الفلسطينية. تشعر إسرائيل بالتهديد من الرواية الفلسطينية للتاريخ لأنها تُشكل شقوقاً في تصورها الانتقائي للعالم ولذلك تسعى لمحوها من الحيز العام “كي يسيطر التاريخ الإسرائيلي الرسمي فقط”.

لا مناص من المواجهة الوجودية إذن, تدرك إسرائيل ذلك لأنها تعرف خياراتها منذ البداية وتستمر في التمدد والاستيطان بناء على ذلك. لم تُسلّم مصيرها لأمريكا ولا لأوروبا, مثلما فعل الفلسطينيون الذين قسموا قضيتهم إلى نصفين وسلموها لأمراء الخليج وأمريكا وإيران و “المجتمع الدولي”.

عندما وضع القادة الفلسطينيين مصيرهم بيد أمريكا والقادة العرب تحولت فلسطين إلى قضية للمتاجرة العربية أو إلى مجموعة أسهم في بورصة العرب, هؤلاء لا ينظرون لمأساة فلسطين كقضية عربية إلا عندما يتأزم وضعهم مع الدول الكبرى فيكون الحل بتقديم التنازلات من رصيد القضية. الانقسام الفلسطيني يُسهل الأمر لقادة الطرفين, ولذلك يتهربون من المصالحة ليتمكن كل طرف من رمي المسؤولية تجاه الآخر. وضع الحل بيد العالم والعرب يريح القادة الفلسطينيين, ويعفيهم من تحمل مسؤوليتهم التاريخية. الحل سيبقى بيد الفلسطينيين وهذا لا يعني التخلي عنهم, فالعرب عبء على الفلسطينيين, العرب مشكلة كبيرة ولا يمكن للمشكلة أن تكون حلاً أو أن تُقدم حلاً, المشاكل العربية تستثمر في بنك فلسطين وفي سبيل حل مشاكلها لن تمانع الدول العربية من بيع آخر شبر في فلسطين.

الإعلام الرسمي العربي يعمل على ذلك ويمهد الرأي العام من أجل تقبل “صفقة القرن”, ونقل السفارات إلى القدس مسألة وقت فقط. لقد تجاوز الإعلام العربي الرسمي, والمحسوب على الأنظمة, مسألة “التطبيع” مع إسرائيل وهو الآن لا يجرؤ على نشر أي مادة تسيء لإسرائيل حتى لو كان مقالاً يحلل عملاً فنياً إسرائيلياً يحوي نقداً ذاتياً للهوية اليهودية. أما التطبيع على المستوى الاقتصادي والتجاري والرياضي فجارٍ على قدم وساق. شاهد, على سبيل المثال, برنامج الكاميرا الخفية التونسي (شالوم) وستدرك فداحة الوضع العربي وهرولة المطبعين.

على الفلسطينيين رفع سقف مطالبهم والمراهنة على شعبهم الذي يثبت كل يوم أنه قادر على حل قضيته بنفسه ويضحي من أجلها بدمه وروحه. لن يخسر الفلسطينيون بذلك أكثر مما يخسرونه اليوم. السلام لا يُنال بالنوايا الحسنة, السلام مرهون بالقدرة على الصمود في المعركة بحسب المثل: “إذا أردت السلام فكن مستعداً للحرب”, أما الاستمرار في تقديم التنازلات فلن يقود إلا لمزيد من الخسارات.

شعار “تحرير فلسطين كل فلسطين” الذي كانت ترفعه الإذاعات العربية لم يكن مثالياً ولا هو اليوم كذلك إذا وضعناه إزاء التوسع والتغول الإسرائيلي. كما أن سياسة القبول بكرسي في مطبخ -في مقولة السادات لحلاقه الخاص- بحجة أنه الخيار المتاح والمعروض من قبل المحتل, لم تعد تجدي, فالمحتل لن يعطيك الكرسي ما لم تطالب بالبيت كله.

25/06/2018