أكشاي كومار- نبي يحمل في يديه فوطة ومرحاضًا

Padman-825

لاكشيمي نبيٌ لا يحمل في يده قرآنًا ولا أناجيل ولا توراة.

لاكشيمي رسول يحمل في يده فوطة صحية- كما في فيلم “بادمان Padman” 2018, أو رجل الفوطة إذا ترجمنا عنوان الفيلم حرفيًا- ويحمل في اليد الأخرى مرحاضًا كما في فيلم “تواليت- قصة حب” 2017

يقول بالفعل لا بالألفاظ: “والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذه الفوطة وهذا المرحاض ما تركتهما أبدًا”

وما أقسى مهمة الأنبياء حينما يحاربون الجهل القادم من مصدرين ديني واجتماعي.

كما أنها مهمة شاقة على الكاتب والمخرج الذي يريد لعمله أن يكون رسالة وفنًا في الوقت نفسه. وهذا ما نجح فيه المخرج وكاتب سيناريو فيلم “بادمان” آر بالكي. فلم يقع في فخ المباشرة والوعظ الخطابي وقدم لنا عملًا ممتعا من نوع الكوميديا السوداء, خلافًا لفيلم “تواليت” الذي وقع في الوعظ المباشر في بعض المشاهد.

رسالة نبيلة أم تجارة؟

وفقًا لفيلم بادمان فإن 18 % من نساء الهند يستعملن الفوط الصحية أثناء الدورة الشهرية والسبب غلاء الفوط قياسا إلى فقر المجتمع الهندي, ويهدف لاكشيمي إلى زيادة هذه النسبة من خلال تقديم فوط صحية منخفضة التكلفة. قصة الفيلم مقتبسة عن قصة أروناتشالام موروغانانثام, وهو رائد أعمال اجتماعي من كويمباتور في تاميل نادو، الهند, ومخترع ماكينة صنع الفوط الصحية منخفضة التكلفة ومن المساهمين في زيادة الوعي حول الممارسات التقليدية غير الصحية حول الحيض في الريف الهندي. تم تركيب آلاته الصغيرة، التي يمكنها تصنيع الفوط الصحية بأقل من ثلث تكلفة الفوط التجارية، في 23 من 29 ولاية في الهند. ويخطط لتوسيع إنتاج هذه الآلات إلى 106 دول.

لا شك أن للمارسات التقليدية حول دم الحيض أثارا سلبية على صحة المرأة, لكن ثمة مبالغة في تهويل هذه القضية, فاستعمال ثياب نظيفة يمكن أن يُغني عن استعمال الفوط الصناعية, وأرى أن المستفيد من هذه المبالغة هي شركات الفوط الصحية و أروناتشالام نفسه مستفيد ماديًا ومع أن خدماته في الأساس لا تهدف إلى الربح إلا أنه في الأخير يربح, والجميل في القضية أنه يضرب عصفورين بحجر واحد فيعمل على توظيف النساء في صناعة الفوط وتوزيعها.

الإعلام ونجوم الفن هم أنبياء هذا العصر

فيلم بادمان عن مجتمع يرى أن المرض أهون بكثير من الخجل. ويحارب الفيلم الخرافات بشقها الديني, ممثلة بالطقوس الوثنية, وشقها الاجتماعي ممثلا بالعادات والتقاليد البالية. وينبه إلى دور الإعلام والفنانين وتأثيرهم الكبير في تنوير المجتمع. يوجه الفيلم نقدًا للعادات والتقاليد التي تكرس ثقافة الجهل والممارسات الخاطئة كما ينتقد كذلك الدين الذي ربط دم الحيض بالنجاسة. ويخلص الفيلم إلى الدور المهم الذي يمكن للإعلام أن يقوم به وبخاصة دور الفنانين المشهورين كما يتضح من خلال دور أميتاب باتشان.

يلفت أميتاب باتشان- الذي يظهر كضيف شرف- نظرنا إلى أهمية عدد السكان. نعتقد أن عدد السكان الكبير عبء على الدولة لكن يمكن لهذا العبء أن يحقق فائدة إذا ما تم توظيفه بطريقة صحيحة. يقول باتشان:

“إذا نظرنا إلى السكان كتعداد ذهني لا كتعداد بشري فلا يمكن أن تكون هناك قوة في العالم أكبر منا. لا يجب أن نرى الهند كدولة بها بليون شخص, بل يجب أن ننظر إليها كدولة بها بليون عقل.”

رسائل عظيمة

يتضمن الفيلم حوارات ذكية وبالغة الدلالة. يقول لاكشمي لزوجته التي تحثه على دفع مبلغ من المال لأحد الآلهة:

“تدفعين 51 روبية للنجاة من جحيم الآخرة وتبخلين عن دفع 55 روبية للنجاة من جحيم المرض وأنت على قيد الحياة”.

وهو يقصد بذلك أن سعر الفوط الصحية 55 روبية يمكن أن تنقذها من أمراض كثيرة محتملة, بينما 51 روبية ستذهب لصالح رجال الدين الأذكياء الذين يوظفون التقنية في ألاعيبهم المقدسة. المشهاهد التي تشرح حركة التمثالين نتيجة استعمال تقنية داخلية حديثة غير مرئية للمتدينين تشير إلى تطور الوثنية مقابل تخلف العقلية المتدينة.

في عبارة أخرى يقيم لاكشيمي قيمة الرجولة: يقول:

“الرجل الذي يفشل في حماية امرأة كيف يسمي نفسه رجلًا!”

وعلى الرغم من أن لاكشيمي رجل أمي إلا أنه استطاع أن يبتكر آلة رخيصة لصنع الفوط وذلك من خلال مشاهداته اليومية لبعض الآلات في المطبخ. يلخص لاكشيمي دور التكنولوجيا في هذه العبارة:

“أنا لم أدرس التكنولوجيا, التكنولوجيا هي من تعلمني”

ومن العبارات الجميلة:

“متعة كونك أب تأتي حين تصبح أُمًا. مثلما أن متعة كونك رجل تأتي بإيقاظ المرأة التي بداخلك.”

“ما جدوى مقبض الفرشاة المصنوع من الذهب إذا كان طرفها الذي يحمي أسنانك من التسوس مصنوع من البلاستيك.”

“الرجل القوي لا يصنع دولة قوية. الدولة القوية هي نتاج الرجل القوي والمرأة القوية.”

“يمكن للمال أن يُسعد فردًا واحدًا أما الأفعال الجيدة فتُسعد الكثيرين.”

“عدم وجود مشاكل يعني أنك لا تعيش. المشاكل تقدم فرصة للعيش”

يصل عجز النبي في إقناع قومه وهو يراهم يستجيبون للخرافات دون اعتراض إلى أن يتمنى لو أنه إله: “أتمنى لو كنت إلهً أعطيهم فوطة فيُصلون لها ويرتدوها”. لكن لاكشيمي أو أروناتشالام ينجح في الأخير في تحقيق مساعيه وتصل سمعته إلى العالمية وينجح في تصدير آلاته إلى دول عديدة.

من الفوطة الصحية إلى المرحاض

المشكلة التي يناقشها فيلم بادمان لا تقتصر على الهند, فهناك دول كثيرة فقيرة تعاني من المشكلة نفسها. وكذلك الحال بالنسبة لقصة فيلم “تواليت” المقتبس من قصة حقيقية حول عدم تخصيص مراحيض في المنازل الريفية مما يضطر النساء للخروج عند الفجر من أجل قضاء الحاجة, بينما يقضي الرجال حاجتهم في الطرقات وفي أي وقت.

toilet

يقع كيشاف في حب فتاة متمدنة, وعلى الرغم من الفوارق الطبقية والثقافية بينهما إلا أن حبهما ينجح في التغلب على هذه الفوارق. وبعد الزواج تكتشف زوجته جايا أن المنزل بدون مرحاض وأن النساء يحبسن حاجتهن إلى قضاء الحاجة حتى الفجر فيخرجن إلى الخلاء مرة واحدة في اليوم. تعترض جايا على هذه العادة وتنجح هي وزوجها بعد معاناة طويلة في تحريض النساء على المطالبة بمراحيض عمومية أو في البيوت.

العادة والدين

يُقحم كبار السن الدين في تركيس عاداتهم البالية فيقولون أن الدين لم يأمرهم ببناء مراحيض في بيوتهم وأن وجود مرحاض في البيت هو مدعاة للقذارة. لكن كيشاف يفحمهم باقتباس آيات من كتبهم المقدسة تدل على العكس. والفيلم بهذه الإشارات الدينية يقدم وسائل أخرى من أجل إقناع الناس باستعمال المراحيض من أجل صحتهم.

قضاء الحاجة في الخلاء ليست مشكلة هندية فحسب. هي عادة منتشرة في كثير من البلدان الفقيرة ومنها أرياف اليمن, بل وفي أماكن كثيرة من المدن. ما تفعله نساء الهند في الأرياف تفعله نساء كثيرات حول العالم. وكانت تفعله النساء في زمن النبي محمد ومن أجل هذه العادة نزلت آية:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب59

وسبب نزول هذه الآية هو أن النساء كن يقضين حاجتهن في الخلاء فكان الرجال يترصدون لهن في الطرقات من أجل النظر إليهن والتحرش بهن. (وهذا ما يحدث في الفيلم كذلك). فنزلت هذه الآية لتضع حلا للحرائر من النساء دون الإماء, وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن وبهذه الطريقة يعرفهن الرجال فلا يتحرشون بهن.

يؤكد الفيلم على أنه “ليس من السهل أن تربح معركة مع العادات والتقاليد”, لكن الإصرار يؤدي إلى نتائج إيجابية, ويخلص إلى قيمة العمل الجماعي, أو كما جاء في الفيلم: “إن لم تصبح المشاكل العامة مشكلة شخصية لكل فرد فلن تحل أبدًا”.

أنبياء هذا العصر

تذكرنا قصتا الفيلمين أعلاه بقصص أخرى واقعية عن قيمة العمل الفردي.

من تلك القصص ما فعله رجل الأعمال الهندي الدكتور ابراهام جورج الذي تخلى عن حياة الرفاهية في أمريكا فباع كل ثروته وعاد إلى الهند ليُحدث فرقاً في حياة الناس الأشد فقراً.. فأنشأ مدرسة شانتي بهافان التي تخرج منها جيلاً من المهندسين والمحامين والعلماء والصحفيين… صانعة الأفلام فانيسا روس صورت فيلماً وثائقيا من 4 حلقات في 2017 عن هذا المشروع بعنوان “بنات القدر Daughters of Destiny” 2017,  تتبعت فيه مجموعة من التلميذات لمدة سبع سنوات… ونالت عنه جائزة الأوسكار.

Daughters of Destiny

وقصة أخرى تحولت إلى فيلم عن رجل هندي قام بحفر ممر في جبل لمدة 22 عامًا، فصنع بذلك طريقًا مختصرًا، وقصَّر المسافة من 55 كم إلى 5 كم فقط. هذه القصة لم تكن معروفة للكثيرين حتى حوّلتها بوليوود إلى فيلم بعنوان «رجل الجبل»، الذي ألهم الكثيرين، وكان درسًا عظيمًا في التضحية من أجل الآخرين.

“كان الهندي داشرات مانجهي عاملًا فقيرًا يعمل في حقول ومزارع في منطقة جبال في أرتي، حيث كان يعيش هو وزوجته فالجوني، محرومين من كثير من أساسيات الحياة، مثل الكهرباء، والمياه، والمدارس، والمستشفيات. وكعادته، كان مانجهي ينتظر زوجته فالجوني حتى تحضّر له الطعام، كما تفعل كل يوم، ولكنها أتت في ذلك اليوم وجسدها مُصاب والدماء تغطي جسدها نتيجة تعثرها بصخرة ثم انزلاقها.”

“وكان أقرب طبيب من تلك المنطقة يقع على بعد 70 كم، وتلك مسافة طويلة جدًّا يتم قطعها مرورًا من فوق الجبل، وقد تسبب ذلك في وفاة عدد كبير من سكان المنطقة، بسبب صعوبة الوصول للمستشفيات. فقد مانجهي زوجته إثر الحادث الذي تعرضت له، فلم تكن هناك طريقة لإسعافها بشكل أسرع، لذا قرر مانجهي أن يجد حلًّا.

picmonkey

بعد أن فقد مانجهي زوجته في عام 1959، بسبب الحادث, قرر أن يتحدى الجبل. باع ما يملكه من ماعز، واشترى مطرقة وأزميلًا وأداة نحت بدائية، وبدأ رحلته الطويلة في شق طريق وسط الجبل. يقول مانجهي: «أزهق ذلك الجبل الكثير من الأرواح، لم أستطع تحمّل أنه آلم زوجتي، وحتى إن أخذ مني الأمر بقية عمري كله فسأنحت طريقًا فيه.” “قال الكثيرون عنه إنه رجل مختلّ بسبب ما يفعله، ولكن ذلك لم يردعه عن إكمال رحلته وإنهاء الطريق، فقد ظل ينحت في الجبل طيلة 22 عامًا، من عام 1960 وحتى عام 1982.” نجح مانجهي في صُنع ممر وسط الجبل، يصل ارتفاعه 360 قدمًا، وعرضه 30 قدمًا، مُقصّرًا المسافة من 55 كم إلى 5 كم.”

“ورغم قوة عزيمته وإرادته وتحديه لكل تلك الصعاب، إلا أنه خسر معركته مع مرض السرطان في عام 2007، وكرمته الحكومة لعمله الإنساني الرائع، وأطلقوا اسمه على الممرّ الذي أنقذ حياة آلاف الأشخاص بفضل تقصيره للمسافة، مما سمح للجميع بالوصول للرعاية الطبية.”

رياض حَمَّادي

بادمان = 8/10

لمشاهدة فيلم بادمان هنا 

تواليت- قصصة حب = 7/10

لمشاهدة الفيلم هنا

مصدر قصة رجل الجبل هنا

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.