ملاذ صغير- البيت والوطن

Microhabitat (2017)

إن لم تجرب التشرد أو العيش في مكان غير مرغوب فيك فسيقل إحساسك بهذا الفيلم.

عشتُ اثني عشر عامًا في بيت أبي مع إحساس بالغربة والتشرد, وأربعة أعوام مثلها في بيت جدي ثم أكثر من عشرين عامًا من الغربة في أماكن أخرى, وخلال كل تلك السنوات وحتى اللحظة مازال حلمي الأول هو العثور على “ملاذ صغير” خاص بي, ربما يكون قادر على علاجي من الشعور بالغربة والتشرد.

يذكرني هذا الفيلم بالمرات الكثيرة التي كنت أمر في الشوارع في طريقي إلى المدرسة أو الجامعة وعيناي تبحثان في الأزقة والدِّكاك/الدكات عن مكان آوي إليه إن دفعتني الحاجة إلى ذلك. لم يحدث أن قضيتُ ليلة في الشارع لكن الإحساس بالغربة والتشرد ظل يصاحبني حتى اللحظة. كنت أمر بكثير من الأماكن التي أراها مناسبة للمبيت, أشير إليها بعينيّ وأقول في نفسي: “هذا مكان مناسب للنوم.”

استيقظت ذات يوم مبكرًا, وفي طريقي إلى المدرسة الإعدادية وجدت الأماكن التي كنت قد حجزتها في مخيلتي ينام عليها مشردين. بعد سنوات كنت جالسًا على أحد المقاعد في الكورنيش, كانت الساعة تشير إلى العاشرة تقريبًا, قلت في نفسي سيكون هذا المقعد الطويل مناسب للنوم, كانت المقاعد الأخرى قد حُجزت للنوم من قبل المشردين, وثمة رجل يحوم حولي, لم أفطن في البداية إلى هدفه, وما أن وقفتُ لأهم بالانصراف حتى جلس هو وتمدد على المقعد لينام. أدركت حينها أني لست الوحيد الذي يفكر في حجز أماكن للنوم, الفارق بيني وبينهم أني أفكر في مستقبلي كمشرد أما هم فيعيشون التشرد في الحاضر.

يُعرِّفنا الفيلم الكوري “ملاذ صغير” على صورة أخرى للحياة في كوريا الجنوبية من خلال الفتاة ميسو التي يدفعها غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الإيجارات إلى ترك الشقة والمبيت عند أصدقائها القدامى.

قرار مغادرة الشقة والمبيت عند أصدقائها القدامى ليس سوى حيلة تقنية من أجل التعرف على نماذج لحياة الشباب الكوري في وقتنا الراهن 2014 – 2015. والجامع بين كل الشخصيات هو الشعور بالضياع وفقدان الاستقرار وغلاء المعيشة, خاصة أسعار إيجارات الشقق. سبب آخر لا تقوله اللغة المكتوبة وتعكسه شخصية ميسو هو الشعور بالوحدة والرغبة في استعادة ماضيها مع أصدقائها وقضاء بعض الوقت معهم لترى ما الذي حل بهم. تنقل ميسو بين منازل أصدقائها يذكرني بماتيو سيكورو في الفيلم الإيطالي “الجميع بخير” 1990, حيث يزور ماتيو بيوت أبنائه الخمسة ليطمئن عليهم فيكتشف أن الجميع ليسوا بخير.

الترجمة الحرفية لعنوان الفيلم تعني “موطن صغير” في إشارة إلى أن البيت بمثابة وطن صغير ورمز للوطن الأكبر الذي يعاني فيه المواطنين من مشاكل الغلاء وعدم الاستقرار الجسدي والنفسي. تذكرني هذه الجزئية بالفيلم  الإسرائيلي “ميوزوت” أو “قنديل البحر Jellyfish” 2007, الذي يتناول مسألة الهوية وغلاء المعيشة وتصدع العلاقات الأسرية. 

أتيح لميسو الاستقرار كزوجة في بيت أحد أصدقائها لكنها فضَّلت التشرد على القيد الذي تمثله الحياة الزوجية. تمضي ميسو في قرارها هذا حتى النهاية, إلى أن تدفعها الظروف للتخلي عن موبايلها, لعدم قدرتها على سداد فاتورته.

في مشهد أخير تركز الكاميرا على شعر ميسو وقد صار أبيضًا ما يعني أنها لم تعد تتناول العلاج الذي كان يبقيه أسود, وهو ما يعني أيضًا أن سعر الدواء قد ارتفع ولم تعد قادرة على شرائه. إلى آخر مشهد لم تتخل ميسو عن التدخين والشراب, تكتفي بكأس واحد, ليذكرها بأسلوب حياتها. ثلاثة أشياء لم تكن ميسو مستعدة للتخلي عنها وهي السجائر والويسكي وأناقة ملابسها, من خلالها احتفظت بكرامتها في هذه المدينة.

فيلم هادئ وبسيط وعفوي.

Microhabitat – 2017

7/8

رابط مشاهدة الفيلم هنا

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.