الفنون والواقع

seguidor_de_sir_peter_paul_rubens

seguidor_de_sir_peter_paul_rubens

رياض حمَّادي

يتخذ العداء للفنون وجهين: هناك من يقلل من قيمة الفنون ويعتبرها ترفاً أو تسلية يمكن الاستغناء عنها, دون أن تتأثر حياة الإنسان سلباً. وقد يستشهدون بحياة الإنسان الأول الذي عاش حياته دون حاجة إلى الفنون! وهناك من يعترف بدورٍ للفنون, لكن وفق توجيه وشروط مسبقة.

أعداء الفن, أعداء الحياة

واجه الفن عداءً من قبل رجال الدين والثوريين والمفكرين. وقف لوثر وكالفن وغيرهما ضد الفن ومع الأخلاق. وهم في اصطفائهم مع لأخلاق يعتقدون أن “الفن مفسدة يضيفها المجتمع إلى الطبيعة”. هذا ما قاله روسو, كما تحامل سان جوست على المسرح بشدة, وذلك في برنامج وضعه من أجل (عيد العقل) مثَّل فيه العقل “بشخص (فاضل) لا بشخص (جميل)”. لكن السينما أعادت للعقل جماله في فيلم (عقل جميل Beautiful Mind), وجعلت (الحياة حلوة) رغم المعاناة التي لاقاها أبطال الفيلم الإيطالي. وحين يرضى هذا الفكر عن الفن يطالب بفن “مفيد اجتماعياً”, كما طالب السان سيمونيون قائلاً: “إن الفن للتقدم”! وكأن الفن الحر عامل تأخر!

اللهجة نفسها نجدها عند العدميين الروس كبيزاريف الذي يعتقد أن زوج أحذية أنفع من شكسبير ويُفضِّل أن يكون حذَّاءً روسياً على أن يكون رافائيل روسيا!. كما أكد الشاعر العدمي نكراسوف أنه “يُفضِّل قطعة جين على كل بوشكين”!. قارن هذا بما قالته فلورنس, في فيلم يحمل اسمها: “نُفضِّل أن نبقى بدون خبز على أن نبقى بدون موزارت”. تولستوي وهوجو قللا من أهمية الفن, ولم يعترف ماركس إلا بالفن في خدمة الثورة. معتبراً أن الجمال الإغريقي “يُعبِّر عن طفولة العالم الساذجة”!

سبب هذا العداء الاعتقاد أن الفن منافس لله كما كتب ناقد كاثوليكي: “الفن مهما يكن هدفه فإنه ينافس الله دائماً منافسة آثمة”. هذا العداء مبني على افتراض أن الفن وسواس شيطاني, كما تزعم الأديان!

يستغرب ألبير كامو –في كتابه الإنسان المتمرد- هذا العداء للفن, الناتج عن خلط بين الفن والقيمة, الفن والثورة, الفن والعمل, قائلاً: “إن الذي يلعن شكسبير أو الجمال ليس الحذَّاء, بل ذلك الذي يتابع مطالعة كتب شكسبير ولا يصنع الأحذية… من المصيبة أن يدَّعي مجتمع الحذَّائين الاستغناء عن شكسبير. فشكسبير بلا حذّاء, يُتَّخذ ذريعة للطغيان. والحذَّاء بلا شكسبير, يبتلعه الطغيان”. ويرد على الذين يطالبون بتأجيل الجمال إلى نهاية الأزمنة قائلاً إن ذلك يعني “حرمان كل الناس… بما فيهم الحذَّاء… من هذا الغذاء الإضافي الذي استفدنا منه نحن بالذات”.

وإن كان ولا بد من تعقيب على دفاع كامو فهو التحفظ على اعتباره الفن غذاء “إضافي”, فلئن كان غياب الفن لا يؤدي إلى الموت, فذلك لأن الفن غذاء لا يخاطب المعدة, وإنما الروح, والإنسان بلا روح لا يساوي شيئاً.

الفن والهروب

هناك من يتهم الفن بالهروب من الواقع لبناء عالم بديل متخيل. والحقيقة أن الفنان يرى العالم ناقصاً, ودوره كفنان أن يكمله. كتب فان غوغ: “أزداد اعتقاداً يوماً بعد يوم أن من واجبنا أن لا نحكم على الإله الحنّان بناءً على هذا العالم الأرضي. فهو لعمري مخطط دراسي غير ناجح”. ويُعلّق كامو قائلاً: “كل فنان يحاول أن يعيد عمل هذا المخطط الدراسي, وأن يمنحه الأسلوب الذي إليه يفتقر”.

الفن هروبٌ لا تخلٍ, وهنا يتجلى المعنى الأصيل للتمرد. يقول نيتشه: “ما من فنان يتحمل الواقع”. ولكي يكون الواقع محتملاً على الفنان أن يُغيّره, وليس له من وسيلة سوى فنه. ويقول كامو: “الفنان يعيد صياغة العالم… الفن, على الأقل, يعلمنا أن الإنسان لا يتلخص في التاريخ فقط, بل يجد علة وجود في نظام الطبيعة”. والذين يرفضون الفن ينكرون أن يكون له معنى, لكن, كما كتب كامو: “لا وجود لفن اللامعنى”. حتى “فكرة اللامعنى, هي ذات معنى”. والإنسان الذي يريد إصلاح الواقع يبدأ برفض أوجهه السلبية, وهكذا هو الفن “يُنكر الواقع, لكنه لا يتهرب منه”. 320

الفن لا يقف ضد تطرف العقل والدين فقط, بل ويُوفِّق, دونما جهد ظاهري, “بين الجزئي والكلي الذي كان يحلم به هيغل”. فـ “كل كبار المصلحين يحاولون أن يبنوا في التاريخ, ما عرف أن يخلقه شكسبير وسرفانتس وموليير وتولستوي: عالم متأهب دائماً لإرواء الظمأ إلى الحرية والكرامة الموجودة في قلب كل إنسان. ليس من شك في أن الجمال لا يصنع الثورات. ولكن ثمة يوم تحتاج فيه الثورات إلى الجمال”. ويوم ساد الجمال والفن في أوروبا ساد الاستقرار والسلام والتغت الحاجة إلى ثورات.

الفن والوجود

الذين يقللون من قيمة الفنون يخلطون بين قدرة الإنسان على البقاء حياً بغذاء الجسد: الماء والطعام, وبين شكل الحياة بدون غذاء الروح: الفنون والجمال. غياب الورود والحدائق من مدن هؤلاء هو احتجاج على الطبيعة يقول: نستطيع العيش بدون ورود! لكن الطبيعة بورودها إلى جانب الأشجار المثمرة تدرك قيمة الفن والجمال أكثر من هؤلاء. اكتفاء الإنسان بغذاء الجسد فقط يضعه في منزلة الحيوان أو الكائنات الحية. القائلون بإمكانية الاستغناء عن الفنون كأنهم يطلبون إجراء العمليات دون تخدير؛ باعتبار أن الإنسان استطاع تحمُّل آلام العمليات قبل اكتشاف التخدير. نعم, يمكن للفنون أن تكون مخدراً للشعوب كما يمكنها أن تحررهم من كثير من الأوهام, لكن لا يمكن بأي حال الاستغناء عنها؛ فهي مكوِّن رئيسي في حياة الإنسان, مثلما لا يمكن للطبيب والمريض الاستغناء عن المخدر اليوم.

هذا على افتراض غياب الفنون عن حياة الإنسان الأول بشكل مطلق, وهذا ما لا يمكن الجزم فيه, لكننا نستطيع القول بوجود أشكال من وسائل التسلية التي كانت تقوم مقام الفنون. برسومه للحيوانات والأشكال التجريدية على جدران الكهوف, واتخاذه الزينة والمجوهرات والأصباغ, فقد دشّن الإنسان الفنون منذ 30 ألف سنة تقريباً. وتختلف رقصات الشعوب, لكن لا يوجد شعب لا يمارس الرقص. وهذا شاهد على أن الحياة (ضحك ولعب وجد وحب وفنون).

اكتشاف الفنون وتطورها, متأخراً في حياة الإنسان, شاهد على انتقال من البداوة إلى الحضارة والتمدن, وغيابها يدل على العكس. فمن الممكن تقييم تقدُّم الأمم أو تخلفها عبر فنونها؛ فتقدم الفنون أو تأخرها ينعكس إيجاباً أو سلباً على تقدم الدول والعكس. والمتأمل لحال الموسيقى في اليمن خلال ثلاثة عقود سيرى مدى التدهور الذي وصلت إليه. ففي مرحلة سابقة بلغت الموسيقى اليمنية ذروتها, فكان لدينا شعراء ومطربين بالعشرات. ومنذ التسعينيات تقريباً توقف الانتاج الموسيقي, إلا من مقلدين يقتاتون على عهد الموسيقى الذهبي, ويشوهونه في الوقت نفسه.

للألوان قدرة شفائية يستعملها الطب النفسي اليوم. حتى الطعام أصبح يُقدم بأشكال فنية. وإذا كان “الله جميل يحب الجمال”, فكيف للحياة أن تقوم بدون سماوات الفن: (نحت وعمارة, ورسم وزخرفة, وموسيقى, ورقص, وشعر وأدب, ومسرح, وسينما)! المؤسف أن سماواتنا في اليمن قليلة, وما لدينا منها ضعيف, والسبب الرئيسي هو غياب أشكال الفنون الأخرى.

الفنون تهذب النفس وتسمو بالمشاعر والعاطفة وتجعلنا نتمسك بالحياة, وهي من هذا الباب تبني ولا تهدم. تناقُص عدد القاعات والأنشطة السينمائية في صنعاء, منذ السبعينيات والثمانينيات -التي كان يقوم بها التوجيه المعنوي والمراكز الثقافية العربية والعالمية- أدى إلى تصاعد الإرهاب والتطرف.

فشل هتلر في أن يكون فناناً تشكيلياً يعطينا فكرة عن قيمة الفن. تفرغ هتلر للسياسة, لكن حبه للفن لم يمت, ففي الوقت الذي كانت آلته الحربية تدك أوروبا كان يخطط لبناء أكبر متحف في ألمانيا, فشكّل فريقاً لسرقة آلاف التحف واللوحات الفنية من أوروبا. يكمن التناقض في عدم الإيمان بقيمة الفن, فلو أن هتلر وغيره من الطغاة (عشاق الفن) أدركوا قيمة الفن, المرادفة للحياة والخلق والبناء, لما أشعلوا الحروب المدمرة!

لا يمكن إطلاق صفة حضارة على أمة بدون فنون. تساءل محمود درويش يوماً: “هل لشعب أن يكون قويا بدون أن يكتب شعرا؟”. خسر هتلر المعركتين: معركة السلاح ومعركة الفن؛ فقد تمكن الحلفاء من استعادة أغلب ما نهبه هتلر من لوحات وتماثيل, ما عدا تلك التي قام بإحراقها.

للفن قيمة تعادل الكون نجدها في مقولة نيتشه: “الموسيقى ألغت احتمال أن يكون الكون غلطة”. والكون في نظر فيثاغورس أساسه الموسيقى والرياضيات. ويقول آينشتاين: “لو لمْ أكن فيزيائياً، مِن المُحتَمَل أن أصبِحَ مُوسيقيّاً، غالباً ما أفكّر بالمُوسيقى، أحلامُ اليَقَظةِ لَدِي مُوسيقى, وأنظرُ إلى حَياتي بدلالَةِ المُوسيقى، وأجمَلُ أوقاتي هِيَ تلكَ التي أقضيها بالعزفِ على الكَمَان”.

بالفن يتعرف الإنسان ويتميز عن بقية الكائنات, لا بالعقل واللغة. استجابة النبات للموسيقى, لا يشبه انفعال الإنسان بها, لكنه دليل على ما للموسيقى من تأثير, فكيف بمن له روح!

الموسيقى والنبات

في عالم يتحدث عن “أثر الموسيقى على النبات”, ما زال المسلمون يتجادلون حول جواز سماع الموسيقى وموقف الدين منها! أولى التجارب, حول تأثير الموسيقى في النبات, “بدأت في سبعينيات القرن الماضي، عندما لاحظت الباحثة دوروثي ريتالاك Dorothy Retallack  أن النبات في منزلها، يميل ناحية مكبر الصوت في جهاز الراديو، أكثر مما يميل ناحية النافذة حيث يدخل نور الشمس. وهذا جعلها تتساءل: هل من الممكن أن يحب النبات الموسيقى أكثر من النور؟ هل يتغذى النبات من الموسيقى كما يتغذى من نور الشمس؟ عام 1973 نشرت هذه الباحثة دراسة حول أثر الموسيقى على نمو النبات, وشرحت عدداً من التجارب التي قامت بها لصالح معهد كولورادو في منفر..”. يمكن الاطلاع على تلك التجارب في مقال: (أثر الموسيقى على النبات: موت أم حياة؟). وهناك مقال آخر بعنوان: (هل تؤثر الموسيقى في النبات؟). ومقال يتحدث عن: (صور من الذكاء النباتي). ويمكن مشاهدة هذا التأثير في كثير من مقاطع الفيديو المنتشرة في الانترنت بكتابة (Dancing Plant).

العلاج بالسينما

تؤثر السينما في المتفرج بدرجات “بدءا من الانطباع البسيط الذي تتركه في خلايا ذاكرته وصولاً إلى صقل شخصيته وتثقيفها”, كما كتب يوري لوتمان في كتابه (مدخل إلى سيميائية الفيلم), ص 59. يستعين الأطباء في الغرب بأفلام االسينما في علاج كثير من الأمراض النفسية. ويُطلق على هذا النوع من العلاج مصطلح (العلاج بالسينما, Cinema Therapy or Movie Therapy).

تساعد السينما في تغيير الطريقة التي نفكر ونشعر بها. ويذهب الدكتور جاري سولومون, في كتابه (وصْفة الصور المتحركة The Motion Picture Prescription), إلى أن أفلام السينما والتلفزيون يمكن أن يكون لهما أثر إيجابي على معظم الناس ما عدا المصابون بالذهان أو أولئك الذين يعانون من اضطراب عقلي.

ولأستاذة علم النفس في الولايات المتحدة, (بريجيت وولز), كتاب بعنوان (سحر السينما), تحدثت فيه عن تجربتها الشخصية. قالت: “إن الأفلام السينمائية التي نشاهدها لا تسلينا فقط، وإنما تساعد على الشفاء من الكثير من الأمراض النفسية”. وأضافت: “إن العالم الخيالي الذي ترسمه الأفلام يساعدنا على التكيف مع العالم الواقعي الذي نعيشه، فكثيرا ما نجد أنفسنا في الأبطال الذين نراهم يتحركون أمامنا على الشاشة، كما أن المصاعب التي يمرون بها تفتح متنفسا للأحزان التي نعاني منها في دواخلنا، وعندما تسيل دموعنا من أجلهم فإنها تغسل أحزاننا معها… إن الأفلام تساعدنا على اكتشاف ذواتنا، وتعلمنا كيف نتكيف مع واقعنا ونحب أنفسنا… وبعض الأفلام السينمائية تدفعنا إلى إعادة النظر في بعض سلوكياتنا التي تؤثر في نجاحنا”.

الفن والسياسة

للفن لغة غير مباشرة, قادرة على التأثير أكثر من اللغة الخطابية التي تُميِّز السياسة وغيرها من العلوم. وللفن أثر سياسي, من هنا قيل أن أمريكا تحكم العالم بوزارة الدفاع وهوليوود ومادونا, في دلالة على ذراع الفن في السياسة الأمريكية. لكن على السياسة أن تكون تابعة للفن لا العكس؛ “لأن السياسة لم تستطع أبداً تحقيق مُثلها العليا, فيما يمكن للأدب أن يحقق شيئاً ما” على حد تعبير ايتالو كالفينو (لو أن مسافراً في ليلة شتاء, المقدمة 13).

على ضوء هذه القاعدة تستعمل أمريكا الفن, بشكل محدود, وتأتي استفادتها الكبرى منه بطرق غير مباشرة, حيث تكتسب أمريكا قيمتها وقوتها من حرية الفن وازدهاره في مناخ حر. من الأمثلة القليلة لجعل الفن تابعاً للسياسة, فيلم (A Hologram For The King) 2016. وهو مثال على تدهور الفن حين توجّهه السياسة, خصوصاً سياسة الضغط وتصفية الحسابات ولو على حساب سقوط توم هانكس. الدولة التي استطاعت أن توظف الفن لصالح قضاياها, دون أن تضر بالفن, هي إسرائيل. وأكثر قضية تُوظف فيها الفن هي المحرقة أو الهولوكوست. وقد حصرتُ شخصياً, حتى الآن, أكثر من 10 أفلام, تُعد من أيقونات السينما العالمية.

السينما لا تغير الواقع بتصويره فقط, ولكن بأشكال فنية مختلفة. وذلك غير ممكن دون مشروع سياسي, هدفه التغيير الإيجابي. يمكن الاستشهاد بمثالين من عهد جمال عبدالناصر والسادات, لنعرف إلى أي مدى يسهم المشروع السياسي في تقدم السينما, وتسهم السينما في تقدم المجتمع:

“قامت السينما المصرية بدور إيجابي جوهري في ثقافة العلاقات الاجتماعية. ففي مجال العاطفة والوجدان, كرست السينما المصرية على عكس الاتجاه السائد في الثقافة المصرية مبدأ الحق في الحب الحلال. (أي الذي يستهدف في النهاية الزواج والسعادة من خلاله). وكذا قدمت المرأة في أفلام الأربعينيات إما كعاطلة أو كراقصة. على حين قدمت السينما المصرية نموذج الفتاة الجادة المشاركة والقادرة على الحب الحلال والعمل معا في إطار عام محافظ: فالفتاة في النهاية هي كائن مسكين يستحق العطف. وقدمت سينما عقد الستينيات المرأة في سياق يكاد يكون ثورياً: فتاة متحررة قادرة على الاختيار بنفسها, وكائن قلق له حق العمل والحرية, وأما في حدود السبعينيات والثمانينيات فسوف نجد أفلاماً قليلة تقدم قضية المرأة من منظور نسوي متقدم, ولكن الطابع الغالب للأفلام دمج قضية المرأة والرجل في ظل ثقافة إحباط الطبقة الوسطى, وإن كانت الأفلام قد عكست بدرجة أكبر انسحاق المرأة المصرية في ظل سياسة الانفتاح والفوضى, وبتأثير المد الديني الهائل الذي اجتاح البلاد خلال هذين العقدين” (سيد سعيد: السينما والسياسة (الحالة المصرية). مجلة عالم الفكر, المجلد 26, العدد الأول, يوليو/سبتمبر 1997, ص 100).

الفن والدين

الفن لا يتناغم مع الوجود ويعبر عنه فحسب, بل ويوجه الأنظار للاهتمام به. وبهذا يقف مقابلاً لكل أشكال العدميات, وعلى رأسها العدمية الدينية, التي تهمل ما هو موجود وتهتم بما وراءه.

الذين يُحرِّمون الفنون عموماً والموسيقى خاصة لأسباب دينية, في الوقت الذي يعتقدون بتأثير القرآن على من لا يفهمون لغته, لا يُدركون أن هذا التأثير ناتج عن الموسيقى الناتجة عن تنغيم أو ترتيل القرآن. هم لا ينكرون أن للروح غذاء, لكنهم يعتقدون أن الدين والقرآن هما غذاءه الوحيد. حال المسلمين اليوم شاهد على أن تحويل القرآن إلى غايات أُخروية قد حرمه من هذه الميزة الفنية. والاعتقاد أن الطعام والشراب والجنس هو الغذاء الوحيد جعل الجنة تخلو من الفنون!

ومن المفارقات أن يكون “المصور” أحد أسماء الله الحسنى في مجتمعات فقهية تحرم التصوير! هذا التحريم هو الذي منع من أن يكون “الفنان” الاسم المائة من أسماء الله, والذي ربما يكون “الاسم الأعظم” الذي يتحقق به التقدم والنفاذ من أقطار السماوات!

صرنا نعرف اليوم أن تراجع الشعر العربي في مرحلة صدر الإسلام سببه الرقابة الدينية على الشعراء الذين “يتبعهم الغاوون… إلا الذين آمنوا”. والهدف جعْل الشعر والفن تابعين للدين. مثلما جعلهما أفلاطون تابعين للفلسفة, وجعلتهما الماركسية تابعين للأيديولوجيا. وقبول المسيحية لفنون الرسم والنحت والموسيقى أسهم في فك الارتباط بين سلطة الدين وسلطة الدولة. وتطبيع العلاقة بين الإسلام والموسيقى, والفنون على نحو عام, ستكون خطوة أولى في الطريق إلى العلمانية.

الفن والعلم

كثيراً ما يُعرَّف الفن بمقابلته بالعلم. بوصف الفن: “معرفة خالصة ومستقلة عن سائر التطبيقات العلمية”. والفن عموماً: “عملية إبداعية تـنْحو نحو غايات جمالية (استيطيقية)، في حين يستند العلم إلى غائية منطقية”. ربما يكون هذا التمييز, بين مفهوم الفن ومفهوم العلم, هو ما يدفع البعض لأن يُعطي العلم حقه من التقدير ويضع الفن في مرتبة ثانوية. مثلما فعلت البرناسية التي رأت أن الإنسان “حقق سعادته عن طريق الفن لا عن طريق العلم”. على الرغم من أن العلم اليوم مصدر سعادة أيضاً, ولا يخلو من الفن, بعد أن تداخلا.

هذا الفهم الثنائي, أو المثالي, هو الذي جعل أفلاطون يضع الفن في أسفل مراتب الانتاج الفكري, باعتبار الفن “مظهراً لمظهر”, أي أنه لا يعبر عن حقيقة و “لا ينتج حياة, بل يعيد انتاج أحد مظاهر الحياة”.

المقابلة بين العلم والفن وبين الحقيقة والمظهر, لا تعني التعارض القطعي بقدر ما تشير إلى اختلاف في طبيعة كل من المجالين. الفيزياء الحديثة على سبيل المثال تنحو منحىً فلسفياً وفنياً. نجد هذا الأثر الفني في نظريات مثل توازي الأكوان ونظرية الوتر, التي تُشَبِّه حركة الكون باهتزاز الوتر. ونجده في مقولة لـ (هايزنبرج): “عندما يتعلق الأمر بالذرات فإن اللغة تستعمل فقط كما في الشعر, فالشاعر أيضاً لا يهتم بوصف الحقائق قدر اهتمامه بخلق الصور”.

الفن للفن وللحياة

تَصْدُر معايير الفن منه, لا من خارجه. وللفن أثره الاجتماعي والسياسي, وما أن يمارِس الاجتماعي والسياسي سلطته عليه, يفقد الفن تأثيره الإيجابي, وهو في هذه الحالة وغيابه سواء. الفن بهذا المعنى شكل له مضمون, ومضمونه أبلغ من الفن الموجَّه, أو “الفن الهادف” أو “الملتزم” كما يسمونه؛ فالمضامين لا تقاس بأثرها فقط. يمارس الفن تأثيره الاجتماعي والسياسي دون حاجة لتدخل السلطة السياسية والاجتماعية والدينية؛ ذلك أن الفن سلطة روحية عليا في حد ذاته. وحين تغيب هذه السلطة, تحتل السلطات الأخرى روح وعقل المجتمع, فيسود التعصب والتطرف والفساد.

اعتبار الفن غاية في ذاته لا وسيلة للتعبير عن الذات، وأن مهمته الإمتاع لا المنفعة, لا يعني أن الفن بدون غاية. ونزْعُ الرومانسيين العقلانية عن الفن جعل “الفن للفن”, لكنه لم يُصب بالجنون. تنص نظرية الفن للفن, “على أن للفن قيمته بمعزل عن أي موضوعات يتناولها كالأخلاق أو الدين أو التاريخ أو السياسة… وتدعو الى عدم جواز الحكم على العمل الفني بمعايير الدين أو السياسة أو الأخلاق”. وقد عارض البعض النظرية بحجة أن الفن يجب أن يناصر القضايا الإنسانية والأخلاقية العليا ويتجنب إثارة القضايا التي لا تنسجم مع الاخلاق, وعليه أن يربط المضمون الأدبي بالواقع الثوري والعملي.

لكن هذا التحديد لمفهوم الفن لا يعني وجود تعارض بين الذات المبدعة والمتلقي, ولا ينفي إمكانية تعبير الذات عن غيرها. رفض الغاية في الفن لا ينفيها أو ينزعها عنه؛ فالغاية متضمنة فيه وإن لم تكن هدفاً مسبقاً في ذهن الفنان. هو رفضٌ للوصاية, لا نفياً لوجود الغاية.

إن قلنا أن للفن غاية هي المتعة, جاز لنا أن نسأل: متعة لمن؟! لصاحبه فقط أم لكل متلقٍ للفن؟! إن حقق الفن متعة للجميع فقد حقق منفعة. وإن لم يحقق سوى متعة لصاحبه -وهذا مستحيل- فهو بذلك يحارب الغاية العامة بغاية ذاتية تخدم الاتجاه (الديني والفلسفي) القائل أن الفن ترف (شخصي)!

أَوْلت الاشتراكية أهمية لدور الفن, لكنها أصرت على توجيهه, بحجة خدمة قضايا المجتمع. وصرنا نعرف اليوم الأثر السلبي لهذا التوجيه, فعندما أخضعوا الفن لضرورات أيديولوجية تَخَلَّف الفن وسقطت الدولة. وأرقام الانتاج السينمائي ونوعيتها في عهد الاتحاد السوفيتي وبعده توضح هذه العلاقة الطردية بين الفن والطغيان. وإذا كان هذا هو حال توجيه الفنون وتقييدها فكيف بنا حين تغيب الفنون بشكل عام من المدارس والمعاهد والجامعات والحياة!

توجيه الفن أو إخضاعه لجملة من القواعد يُخرجه من خانة الفن. فجماليات الفن مشروطة بالذوات المبدعة. ويكتسب الفن نفعيته من حضوره, من المتعة المتحصلة عن ممارسته أو تلقيه. الفن يخدم المجتمع, لكنه لا يخدمه على نحو مباشر وقسري, إنما عبر التلميح, لا التصريح, عبر اللغة غير المباشرة لا الخطابية والصوت المرتفع. وعندما يصدر الفن بمعزل عن الظروف أو المؤثرات السياسية والاجتماعية والدينية يفوز بالخلود, ويموت الفن عندما يخضع لهذه المؤثرات.

ورداً على الذين يعتقدون وجود تعارض بين الفن والواقع, يقول كامو: “ما من فن يستطيع أن يرفض الواقع رفضاً مطلقاً… حتى الهندسة الخالصة التي إليها الرسم التجريدي, تأخذ لونها وعلاقاتها المنظورية من العالم الخارجي. كذلك ليس في وسع الواقعية أن تستغني عن حد أدنى من التأويل والاعتباط…”.

الحواس منافذ الروح, والفن لا يخاطب الحواس إلا في الظاهر. وبلوغ غايته الروحية يحقق دوره في البناء المادي, بناء أشبه بدور الوقود. وإذا اعتبرنا الإنسان آلة, فإن ما يحركه ويجعل منه أو له روحاً هو الفن, لا الطعام والشراب فقط.

نقاط للمحاججة

  1. لا ينبغي أن يكون الهدف من أي مناظرة الفوز وإنما إجراء نقاش حر وهادئ ومحترم, في هذه الحالة الكل فائز.
  2. الفنون لن تنتصر في دقائق أو ساعات, الزمن والوعي كفيلان بانتصاره في الأخير مثلما حدث في كثير من الدول المتقدمة.
  3. أوروبا القرون الوسطى ليست هي أوروبا القرن التاسع عشر ولا أروبا ما بعد النصف الثاني من القرن العشرين. حين خرجت الفنون من سجون الكاتدرائيات والقصور إلى الشارع وأدرك قيمتها الإنسان البسيط تغير الحال.
  4. الفنون ليست حلاً سحرياً للقضاء على كل السلبيات, هي فقط مؤشر على حب الحياة, وحيث تغيب الفنون أو تتراجع فهذا مؤشر على أن الحياة في ذلك البلد تختنق.
  5. الفنون مظهر جمالي في المقام الأول, هذا المنظور الجمالي سينعكس على كافة جوانب الحياة من معمار وتخطيط وحتى يصل إلى قائمة الطعام.
  6. مكونات أي وجبة تخضع لمعايير فنية, ليس الهدف من أكل الطعام ملئ المعدة فقط, وإلا لكان من الممكن ملؤها بأطعمة غير متجانسة, “سمك لبن وتمر هندي”! (هذا ما يفعله كثيرون في بلدي!). ولأن الهدف من الأكل هنا هو ملئ البطون فقط فليس من الضروري أن يكون الطعام نظيفاً, وهكذا لن تجد مطعماً واحداً يطبق أدنى معايير النظافة!
  7. لماذا تخضع كل وجبة لمقادير محددة إذا زادت أو نقصت تغير شكلها وفسد طعمها؟! تزيين الطعام له علاقة بالهضم. شكل الطبق الشهي يرسل رسالة إلى المعدة لكي تجهز العصارة اللازمة, وهذا ينطبق على حاسة الشم, واسأل الأطباء المتخصصين لتتأكد. وبمناسبة حاسة الشم, لماذا تستعمل العطر يا من تقول أن الإنسان يحيا بالخبز وحده؟! العطر لن يقيم أودك! العطر لا يُؤكِّل عيش!
  8. حين يسود المعيار الفني أو الجمالي ستحصل على شوارع نظيفة ومخططة ومباني جميلة وحدائق.. إلخ. لا يمكنك أن تحب الحياة وشوارعك قذرة ومبانيك قبيحة.. إلخ.
  9. إذا كان الإنسان يحيا بالخبز وحده سيكتفي بخيمة أو ببيت على العظم. ما حاجته لتزيين البيت وتلوينها بالطلاء والأحجار ووو؟! ما حاجتك لتنسيق الملابس, يكفيك ما يستر عورتك فقط! لماذا يحتاج الفلاحون والعمال إلى المهاجل والزوامل أثناء العمل؟! لماذا عرف الإنسان الرقص منذ بدأت الحضارة أو عصر الزراعة قبل عشرة آلاف عام وربما يزيد؟!
  10. يوم عرف الإنسان الفنون تحددت قيمته كإنسان وتميزت هويته, عرف الإنسان نفسه ككائن متحضر يوم عرف الفنون. كل هذه الأسئلة تدل على أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده ولكن بعنصر جمالي جوهري, ومن يقللون من قيمة الفنون إنما يخربون هذه المعادلة القائمة على طرفين هما الخبز والفن, وإذا كانت الواقع والتاريخ يقولان أن المطالبة بالخبز وحده دون الحرية هو فقدان لكليهما, فإن المطالبة بالخبز بمعزل عن الفنون هو فقدان لكليهما أيضاً.
  11. النباتات والحيوانات تستجيب للموسيقى إيجابياً, وهناك من يعالجون المرضى النفسيين والسجناء المجرمين بالموسيقى والسينما, حتى السياسة العالمية توظف الفنون لخدمة سياساتها في التأثير على الشعوب. بينما هنا يقولون لنا “الفن ترف”, “الفن لا يؤكل عيش”! كيف لا يؤكل عيش والفنون خلقت ملايين الوظائف وتجني المليارات وتحقق دخلا قومياً لكثير من الدول؟!
  12. لماذا الفن لا يُؤكِّل عيش إلا في البلدان العربية والإسلامية؟! لماذا الفن يجلب الغنى والشهرة في بلدان العالم المتقدمة؟! لأن الثقافة الفنية والمنظور الجمالي شائع لدى الناس فتلقاهم يقبلون على الفنون فيحضرون الحفلات ويشترون التذاكر واللوحات.. إلخ. ستقول: حين يتوفر الإقتصاد القوي سنتمكن من عمل كل ذلك. وبذلك تُحوِّل قضية الفن إلى أحجية البيضة والدجاجة! لا شك أن الثقافة تخلق الإقتصاد والعكس, لكن الثقافة أسبق, يكفي أن تنظر إلى بعض منازل الأثرياء في اليمن من الداخل والخارج لتعرف كيف أن الثراء وحده لم يُنتج ذوقاً فنياً رفيعاً.
  13. ستقول لي: نحن لا نحرم الفن, ولكن علينا توفير الطعام أولاً. وسأقول لك: لماذا تعتقد أن الفنون إذا غابت ستحضر اللقمة؟! وإذا كانت الفنون في نظرك ترفاً فما الذي يزعجك من وجودها أو شيوعها؟! على الأقل هذا الإنسان الجائع الذي تتحدث عنه سيجد فنوناً تشغله عن جوعه, أم أنك تريده أن يموت جوعاً دون أن يتذوق على الأقل طعم الفنون؟!
  14. القائلون بأن الفن لا يؤكل عيش أو أنه ترف, هم يؤمنون في وعيهم أو لاوعيهم بأن الحياة دار ممر ولا يلزمنا لتجاوزها إلى الآخرة سوى كسرة خبز! إذن هم يكرهون الحياة الدنيا, وعيونهم على الحياة العليا! كره الدنيا هذا هو السبب الرئيسي في كل ما نراه من إرهاب وقتل!
  15. شعار أعداء الفنون يقول: “بين الفن والواقع طفل جائع”. فمن المسؤول عن الطفل الجائع والمقتول؟! هل هو الواقع أم الفن؟! ألا يدل غياب الفنون على غياب كافة مظاهر الحياة مثلما أن غياب الديمقراطية هو السبب في كل ما نشهده من حرب ودمار؟!
  16. مقارنة بين حال اليمن في السبعينيات وبين حالها اليوم سنعرف إلى أي درك وصلنا. كان هناك حصة فن ورسم وموسيقى ودور سينما وثقافة فنية, ومع اختفاء هذه العناصر من الحياة اختفت الحياة.
  17. حين يغيب المعيار الجمالي الفني من الحياة تنعدم الحياة.
  18. الوجود والكون كله مبني على قواعد فنية جمالية, السلم الموسيقي مكون من سبع نغمات. الفنون عددها سبعة. وكذلك السماوات وفقاً للمنظور الديني. الكون كله يخضع لمعادلة النسبة والتناسب الفنية والتي يمكن من خلالها بلوغ أقصى درجات الكمال والجمال, من الذي أوجد هذه المعادلة المثالية ولماذا إن لم يكن جوهري في الحياة؟!. علماء الفيزياء يعطون للجانب الجمالي في المعادلات قيمة كبيرة, المعادلة الفعالة لا بد وأن تكون في نظرهم معادلة جميلة, راجع مقولات العلماء ومقارباتهم الفنية العلمية في هذا الشأن. نظرية الوتر في الفيزياء تُشبِّه الكون بآلة موسيقية أو بمعزوفة. كل أشكال المخلوقات إلى المجرات يَنْظِمها عامل جمالي. حتى تصميم السيارات لا يراعي الجانب الأمني فقط بل والفني كذلك. لا يوجد مخلوق قبيح فحتى ما نراه قبحاً في بعض أشكال الكائنات هو ناتج عن خيال خلاق وبديع.
  19. الخلاصة: تأمل كل ما حولك ستجده يخضع لمعايير فنية. يعني, الفنون قائمة بك أو بدونك, لكن حين تتنكر للفنون ستحصد فقط شرور استبعادها من حياتك, وهذا القبح المستشري على البشر والحجر هو الدليل.

هوامش:

الفن:

“تعريف المعجم الجامع: جملةُ الوسائل التي يستعملها الإِنسان لإِثارة المشاعر والعواطف وبخاصة عاطفة الجمال. التعريف الشامل: هو ابداع وإبتكار انماط وأشكال جديدة يعبر من خلاله الانسان الفنان عن نفسه ومشاعره وعن مواقف تجاه الكون الذى يعيش فيه وهو وليد الانفعال السابق والحس المرهف والذكاء الإيجابي.”

ما بين علامتي الاقتباس من كتاب الإنسان المتمرد لألبير كامو ومن المواقع التالية: هنا و هنا

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s