The Young Pope

the young pope

البابا الشاب. هل أتى ليقوض الكنيسة أم ليجدد شبابها؟

يفتتح المسلسل بطفل عارٍ يحبو فوق أطفال عراة, موتى على ما يبدو, ومن تحت أولئك الأطفال يخرج حبواً البابا بيوس الثالث عشر. يقف على قدميه ويسير عدة خطوات, وبلقطة أمامية من بعيد نشاهده في ساحة الكنيسة وخلفه أكوام الأطفال على شكل هرم. المشهد يختزل مسيرة البابا من الطفولة إلى الشباب, مثلما يختصر تاريخ الكنيسة.

الحلم والواقع

في المشاهد الأولى يُلقي البابا خطبة أمام حشود المؤمنين في الساحة, مضامين الخطبة منفتحة للغاية. يقول في خطبته: 

“ما الذي قد نسيناه؟ لقد نسيناكم أنتم. دعوني أكن واضحاً للغاية. أنا هنا لسبب واضح وبسيط, ألا وهو أن لا أنسى أحداً. الله لا يترك أحداً خلفه, هذا ما أخبرني به… نسينا النساء والأطفال الذين سيغيرون العالم بحبهم وعطفهم… ولكي ننسجم مع الله يجب أن ننسجم مع الحياة, ليس لدينا خيار, يجب أن ننسجم مع الله. وماذا نسينا أيضاً؟ لقد نسينا أن نستمني, أن نستعمل وسائل منع الحمل وأن نقوم بعمليات الإجهاض, وأن نحتفل بزواج المثليين والسماح للقساوسة بأن يحبوا ويتزوجوا بعضهم بعضا, لقد نسينا أن بإمكاننا الانتحار إذا كنا لا نحب الحياة, لقد نسينا أن نحظى بعلاقات جنسية لأغراض أخرى غير الإنجاب دون الشعور بالذنب, أن نسمح بالطلاق والسماح للراهبات بأداء القربان الإلهي وأن ينجبن الأطفال بكل الطرق التي اكتشفها العلم والتي سيستمر في اكتشافها. باختصار أطفالي الأعزاء, لم ننس فقط القيام بدورنا, لقد نسينا أن نكون سعداء, وهناك طريق واحد يقود للسعادة وهذا الطريق اسمه: الحرية”.

يستيقظ البابا من حلمه على واقع آخر.

الحلم في الفن والأدب تقنية بديلة للواقع أو لما يراد تحقيقه في الواقع, بهذه التقنية يصبح الحلم زمناً ومكاناً متخيلين يحيلان إلى واقع موازٍ أو لما يجب أن يكون عليه الواقع. الطفل الذي يحبو هو رمز لطفولة البابا, والأطفال المكدسين فوق بعضهم البعض هم أولئك الذين تم التحرش بهم جنسياً من قبل كهنة الكنيسة إلى أن اعترفت الكنيسة واعتذرت في عهد البابا (بندكت السادس عشر).

وهو يسأل: “ما الذي نسيناه؟” يوجه اصبعه إلى ما نعتقد أنه الجمهور قائلا: “لقد نسيتم الله. أنتم نسيتم الله” وتظهر لقطة للكرادلة بما يشير إلى أن اصبعه كانت موجه لهم وليس لجمهور المؤمنين. يسأل البابا أحد الكرادلة: “ما الذي جعلك تدخل الكنيسة؟”, يرد الكاردينال: “الحياة قصيرة فقررت أن أختار الخلود”. إذن, هم يبحثون عن خلودهم الشخصي, وليس عن تمجيد الرب.

يرسل له الطفل تومي برسالة تتضمن سؤالا: “ما الذي عليّ فعله لأؤمن بالله؟” فيرد عليه: “عزيزي تومي, فكر في جميع الأشياء التي تحبها ففيها يكمن الله”.

وجوه لعملة واحدة

البابا الشاب صورة للتناقضات في درجتها القصوى, مُجدّف أو مهرطق ومتمرد في مظهره وسلوكياته, يدخن السجائر ويشرب كوكا خالية من السكر (كوك زيرو) وقهوة أمريكية (سبريسو), بابا شاب يؤمن بالعلم والحرية أكثر من إيمانه بالله ويرمي عرض الحائط بكل القواعد البابوية السابقة. يقول: “أنا البابا الشاب ولا أهتم بآراء الناس عني”. بابا أعد للكهنة الجحيم. هذا هو بابا الحلم أو الخطاب, أما بابا الواقع والفعل فمختلف فهو في قراراته تقليدي, بل أكثر تقليدية من الكهنة والبابوات العجائز!

البابا الأمريكي الشاب نموذج لعهد جديد, مثلما تُصور أمريكا نفسها كذلك. ألغى غفران الخطايا والاعتراف, ما يعني أن الله وحده هو الغفور وإليه يكون الاعتراف دون وسيط.

خطبته في الواقع تتناقض مع خطبته في الحلم: في الواقع “لا مجال للحرية, لا مجال للإرادة الحرة”. لا للزواج العرفي لا لزواج المثليين, الحظر المطلق للإجهاض والطلاق, منع القتل الرحيم, ويفرض قيوداً على الحريات الدينية, على المسلمين والهندوس. يطلب منه أحد الكاردينالات أن يتقبل المثليين, ويناشده الكاردينال مايكل أن يتراجع عن موقفه الرافض للإجهاض وهذا يبين أن مايكل أكثر انفتاحاً من البابا المحافظ.

يسأله توماسو: “ما الذي تنوي عمله؟” يجيب البابا: “أنوي أن أبدأ بثورة”. هذا هو حلمه الذي تكذبه الوقائع. رغم تحرره إلا أن له موقف سلبي من المرأة حين يقول: “من المحال أن تصبح المرأة بابا”. وفي لقائه مع رئيس وزراء إيطاليا يتضح تهديد الكنيسة للدولة وتدخلها في السياسة والرغبة في التوسع.

يرفض التصوير ومثاله في ذلك الكاتب (سالينجر) والمخرج (كوبريك) والفنان المعاصر (بانكسي) والفرقة الموسيقية الاليكترونية (داف بنك) والجامع بين كل من سبق ذكرهم هو أنهم لم يسمحوا لأحد أن يصورهم. يقول: “لقد تدربت طوال حياتي لأكون بابا خفيّ… إنهم لا يرونني لأني غير موجود”.

مثال آخر على تناقضه يظهر في موقفه من المعجزات, كان بإمكانه عقاب الأخت انطونيا أو إقالتها عن منصبها, بسبب فسادها, لكنه اختار الدعاء للتخلص منها عبر معجزة, لم يستعمل سلطته الدنيوية واستعمل سلطته الروحية أو سلطة الله. يتحقق دعاءه فتموت الأخت انطونيا.

يجترح المعجزات ويشك فيها. ربما لأن المعجزة لا تحتاج إلى إيمان قوي بقدر ما تحتاج إلى شك وعدم ثقة يفسحان للمصادفة مكاناً, خلافاً للسحر الذي يعمل بابتسامة واثقة من الساحر. المعجزة ليست تجربة في معمل والأنبياء ليسوا علماء.

مسلسل يكشف الصراعات داخل دولة الفاتيكان. في هذه الكنيسة الجميع يشك في وجود الله, لكنهم يستعملونه لمصالحهم. في قاعة الطعام وبينما يتناول الكرادلة طعامهم يسقط أحدهم ميتاً فيسأل أحدهم: “ما سبب موته؟”, يجيبه آخر: “لنفس السبب الذي ستموت فيه كنيستنا, التقدم في السن”.

يبدو أن البابا الشاب يريد تجديد الكنيسة وحمايتها من الموت, فالكنيسة العجوز يلزمها بابا شاب. هذه الدلالة تتكرر في لقطة رمزية في الافتتاحية, يمر البابا الشاب أمام لوحات فنية مفعمة بالألوان تمثل تاريخ الكنيسة ثم يمر أمام تمثال بابا عجوز تسقط عليه صخرة فتسقطه أرضاً.

ربما الضغوطات والمؤامرات المحيطة به تمنعه من تحقيق حلمه, ولأنه لا يستطيع تحقيق خطبة الحلم فقد أراد تحقيقها من خلال خطبة مناقضة وصادمة تجعل الناس ينفرون منه ومن الدين. البابا هنا مثل أطفال يرسمون مستقبلاً, فيقف الواقع عائقاً. يقول البابا: “كنا أطفالاً, وهذا ما يفعله الأطفال: يرسمون المستقبل بألوان لا يمكن للواقع أن يعرفها”.

يسأله الكاردينال مايكل سبنسر: “من أنت يا ليني؟” يجيب: “أنا التناقض, مثل الله: واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد, مثل مريم العذراء والأم! مثل الإنسان بخيره وشره”.

اختيار الرقم ثلاثة عشر ليكون اسما للبابا, بيوس الثالث عشر, له علاقة بالباباوات الذين حملوا هذا الاسم, منهم بيوس الثاني, والحادي عشر إلى الثاني عشر. بيوس الثالث عشر, في المسلسل, فيه ملامح من بيوس الثاني بابا الكنيسة الكاثوليكية بالترتيب الستين بعد المائتين من 1939 – 1958. أظهر هذا البابا توجها ليبرالياً ووثنياً, انغمس في الملذات والحياة الخليعة واشتكى من صعوبة ممارسة الشهوات, وهي صعوبات لم يتغلب عليها في الواقع, لكن عهده اتسم بالإصلاحات.

إحدى هذه التناقضات تظهر في واحدة من اللوحات لإنسان مزيج من ذكر وأنثى, رجل له ثدي يُرضع طفلاً! كما يظهر في صورة المحتشمة للراهبات وصور المرأة الفاتنة والعارية, ويشير ذلك إلى تناقض الحياة أو الصراع بين وجهين من وجوهها. (انظر الصور المرفقة وعددها 11, وهذا رقم ماسوني يرمز للشيطان (كلمة شيطان وردت في القرآن 11 مرة!), اثنتان من الصور هما تركيب من صورتين فيكون المجموع 13!

(تم حذف صورة بسبب التبليغ عنها على أساس أنها عارية)

الصور في المنشور على صفحتي في الفيسبوك سين 

كما سيظهر التناقض في الرقم ثلاثة عشر.

الرقم 13 عدد أولي لا يقبل القسمة إلا على نفسه أو الواحد. يدل على التشاؤم عند البعض وعلى الحظ السعيد في إيطاليا, ارتبط بالغيبيات كالموت والنشوء ونهاية الأشياء, ويشير إلى يهوذا الاسخريوطي في بعض النصوص, وهو رقم مقدس عند اليهود ويشير إلى عدد الأسباط, وهو عدد ماسوني, وهناك رموز ماسونية أخرى ظهرت في المسلسل منها الهرم والعين في غمزة جود لو في تراك المقدمة.

اختيار (جود لو) ليقوم بدور البابا له علاقة بالمضامين الجديدة أعلاه, ولو على مستوى الشكل, على البابا أن يكون شاباً ووسيماً ليرمز إلى كل ما هو جميل في الحياة فقد مل الناس من القبح متمثلاً في مضمون الكنيسة وفي الباباوات العجائز.

المسلسل كتبه المخرج والممثل الإيطالي باولو سورينتينو الذي سبق وأن أبدع عدة أعمال منها فيلم (الجمال العظيم) 2013, و (شباب) 2015. المسلسل عمل متقن من حيث الصورة والأداء, مكتوب بلغة أدبية رفيعة وتتضمن حواراته العديد من العبارات الفكرية والفلسفية, هي مرآة لتلك التناقضات.

اقتباسات

“الخوف والحرية مرتبطان معاً على الدوام, كزوجين كبيرين في السن كلٌ منهما على استعداد للموت في سبيل الآخر”

“الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي وجدتها لإخفاء جهلي اللامحدود. إنها احتيال فعلاً. طريقة لكسب القبول العالم وبالأخص النساء”

“الله ليس من أجلك يا ليني, الله للرجال الذين لا يستفيدون من الحرية”.

“الحياة ليست محوراً بلا قيمة على جانب طاولة العدم. الهدف من الحياة أن تُستعمل, وأن تُستعمل بعناية, أن تحِب وتحَب”.

“في الإجهاض, الجميع مذنب, ما عدا المرأة” القديس ألفونس

“في النهاية, إيمانك بنفسك أكثر أهمية من الإيمان بالله”.

“أولئك الذين يؤمنون بالله لا يؤمنون بأي شيء”.

#سينماتي

#مسوداT

® RIYADH HAMMADI

الرجاء عند النسخ الإشارة إلى المصدر واسم الكاتب في كل ما أكتبه وشكراً.

2 comments on “The Young Pope

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s