أنقذونا

قمرٌ بين الأدخنة, وضوءٌ أحمر على عتبات جامع وإنانا أحلامٌ مسروقة

مسابقة (أنقذوا أسامة) غير الرسمية.

ساعدنا في اختيار أفضل قصة

بالتصويت في التعليقات أو على الرابط التالي: أنقذونا 

عند التعليق اكتب رقم القصة وعنوانها

بعد الانتهاء من التصويت سأضيف أسماء كُتاب القصص

قمر بين الأدخنة

(1) قمر بين الأدخنة – سلمان الحميدي

لم تحدث الأشياء المعتادة في أول خميس من يناير البارد. كان أسامة ممتدًا تحت شجرة السيسبان على ناصية الشارع المتاخم للجامعة. إلى جواره ينام سبعة من الباعة المتجولين القادمين من ضواحي العاصمة. تحين أسامة احتجاب القمر خلف السحب المتكاثفة، التي تشبه أدخنة الانفجارات، وأخفى ما جناه طيلة النهار تحت الأعشاب اليابسة. أبقى القليل في جيبه كحيلة احترازية لإشباع مطامع أنور كيكو، الشاب الذي يهاجمهم كل ليلة لأخذ نسبة من أموالهم الضئيلة قسرًا.
غاب أنور كيكو، وشعر أسامة بنوع من الحرية المتلفعة بالحيطة، وفي صباح السبت، طفق يتتبع بنظراته الفاحصة طالبة، تحمل الروب الأبيض، تنهد:
«الخيال إسبرين القلب» قال بصوت خفيض متأثرًا بحبه لمادة الكيمياء وحلمه بدخول كلية الطب، وتخيل حبيبته المفترضة، تتوصل إلى حقيقة علمية مما قاله.
«تصلح فيلسوف» رد بائع الجرائد هازئًا وقفز إلى مقدمة الشارع، فيما ظل أسامة في مكانه يواري خجل المزاحمة خلف نصيحة أمه: «رزقك مكتوب». 


في الظهيرة اللاغبة، اختلطت أبواق السيارات بشتائم السائقين المقذعة. وقفت سيارة سوداء في آخر الطابور المزدحم، تمكن أسامة من التقاط اسم السيارة: برادو. أومأت له امرأة أجنبية بالقدوم، كان شعرها  الأصفر معقوصًا للخلف، وشعره المتجعد مشعثًا، أحمر خفيف على شفاهها، وشفتاه متشققتان، وكان صدرها وثيرًا بنهدين بارزين وصدره الناحل مجلو  بفانيلة عسكرية تحت زيه المدرسي الكاكي. طلبت منه المرأة بلهجة مكسرة علبة فاين. كانت ماريا، مسؤولة مشاريع منظمات الشرق الأوسط في الأمم المتحدة، وجهها أملس ورقبتها تتخللها تجاعيد المكواة. كان العلم الوطني يتهرأ على جيب أسامة المتورم ويوشك على السقوط، ربما كان هذا سببًا لتسأله ماريا: هل تدرس؟.
كان عمره خمس سنوات عندما دلف المدرسة. كان أريبًا لمّاحًا يشهد له أساتذته. لكن الظروف أجبرته على مغادرة الصف الأخير.

«كنت». أجاب. واستغل أجنبيتها ليستشهد باسم أجنبي «أعرف قاعدة سومرفيلد لتوزيع العناصر الإلكترونية. وأمي مرضت بهذا الشتاء». مد لها علبة الفاين. تمعر وجهها. كان السائق عبيد حامد رئيس منظمة “عطف”، وفي الخانة الوسطى يجلس موسى سليم إلى جوار إضبارة من المنشورات المصقولة، تظهر صورته وهو يقود فتى يحمل الحقيبة المدرسية، هو نفسه الموجود في اللوحة الاعلانية الكبيرة التي تنبه أسامة بمدرسته كل صباح.
امتلك أسامة الشجاعة ليقبل بعرض ماريا. كان مغتبطًا وهو لصيق بها في مقعد السيارة، قاوم نزوة الإثارة، للمراهق الريفي، بتأمل الجدران المثقوبة برصاص الجيش المنقسم. أخذوه إلى سيتي كلوز وانتقى له موسى مجموعة من الألبسة الأنيقة والمطقمة.  كانت ملامح عبيد تتقلص حين يرمق أسامة، ويبش في وجه ماريا التي أرغمت منظمته على كفالة أسامة وأسرته.
 «ابتسامة النفاق ضرورة لكسب الأجانب» تمتم موسى.
 سافر أسامة بعد ذلك إلى أمه، وهو يحمل أكياس الموز المنقط، وصارحته أمه بأنها غير مطمئنة لما سيقوم به: «الأرصفة ملأى بالمكدودين.. لماذا أنت يا ولدي؟».. حاولت إثنائه عن العودة: «أسامتي.. لتدرس هنا؛ سأصنع الملوج وأبيعه في أبواب المطاعم».
«أمي.. لم يعد الناس يأكلون في المطاعم مثل ما كانوا».
استجاب لخياله، وعاد صوب العاصمة.
 في اليوم التالي ذهب مع ماريا وعبيد حامد إلى المدرسة النموذجية الخاصة بالموهوبين. كانت روحه ترقص وهو يرى الآلات الموسيقية في معمل المدرسة، شاهد الطالبات في حصة الموسيقى وانذهل. التقط له موسى صورًا تذكارية بوضعيات مختلفة لاجتلاب المزيد من الداعمين.
 مسحت ماريا على رأس أسامة، وطبعت على خده قبلة إنسانية لا تمحى. ثم طلبت من منظمة عطف تقريرًا كل ثلاثة أشهر. وبعد ثلاثة أيام غادرت ماريا، وقامت إدارة المدرسة النموذجية بطرد أسامة لعدم وجود ختم التربية والتعليم على سجله. اتجه أسامة مرتين إلى عبيد وأخبره ليتواصل مع مكتب التربية والتعليم، في المرة الثالثة اشتاط عبيد غاضبًا:
«اكفنا أذيتك يا بن العاهرة.. هل تظن نفسك صالحًا لولوج السوربون؟».
تورد وجه أسامة وجثم الغيظ على صدره فراح يصعد ويهبط وتبرز ترقوته إحساسًا بالخديعة. وبعد أيام ألفى نفسه مراسلًا بين مرتادي المنظمة والبقَّالة، كانت أحلامه تذوي مع كل مشوار يقطعه لجلب سجائر المارلبورو للرئيس أو علب الصودا للضيوف.
تماهى مع موسى، وخاله طيبًا. لقد كان موسى يجلب له ما تبقى من مائدة رئيس المنظمة في المطعم الفاخر وكان الطعام خال من الملوج؛ كان أفضل من أكل البيت البائس. كما أنه كان يعلمه الحذق ويسدي له النصائح عندما يكونان لوحديهما، إلى أن قال له موسى: «أنا من الذين يتبنون مواقف اصحابهم ويهزون رؤوسهم تحت ضغط الاحراج». وإثر ذلك ظل أسامة مرتابًا تتعارك التهاويم في رأسه. ما الذي لمح له موسى؟ ظن أسامة أنه يحسده على عطف ماريا. بدأ يتوجس حتى من موسى. في نهاية شهر مارس؛ قبض أسامة مبلغًا ضئيلًا، وكان أفضل مما يحصل عليه في الشارع.
تشكلت قابليته بالحياة الجديدة بمضاضة. كان ينظر لنفسه كما لو أنه «أحد عناصر المجموعة الثامنة في كتاب الكيمياء. إنها خاملة.. لا تفقد ولا تكتسب» قال لموسى. افتقد لغب الرصيف، بائع الجرائد، أعمدة الشمس التي تنحت على وجهه نقوش الكفاح المرير كل صباح، وطالبة الطب ذات الروب الأبيض!.
في إحدى الليالي، كان عبيد يرش جدران مكتبه بماء الفل. أتت امرأتان، إحداهن كانت ترتدي عباءة سوداء لماعة، مختولة الخصر. والثانية ترتدي تنورة مزركشة إلى الركبتين. دلفن إلى المكتب. تعالت القهقهات المتماجنة، ورن جرس الرئيس الذي يستجب له أسامة مثل كلب مدرب. رمق الفتاتين بخجل، طأطأ رأسه وبدأ يتعرق من الوضعية غير المحتشمة لهن. قارورتان على الطاولة، بلاك ليبال، كما تهجى. طلب منه عبيد أن يجلب مشروبات غازية وباردة سريعًا.
انضم موسى إلى السهرة الحمراء في المكتب المغلق. عندما خرج للحمام أخبره كمن يواسي عزلة صاحبه المنبوذ: هناك عمل قادم يتعلق بالمرأة!.
كان أسامة وحيدًا يسمع قهقهاتهم المعربدة في الهزعة الأخيرة، سمع همهمات الفاحشة، شعر أنه في ورطة لا تليق بمكانته الاجتماعية ولا مستواه العمري، ولا مع أحلامه في إكمال الدراسة ودخول كلية الطب.
بكى ثم ثام.
في الظهيرة، كان رجل سمين يتأمل المدينة من خلف نافذة مجلس المنظمة، رآه أسامة من عتبة الباب الموارب، كان يرتدي قميصًا ورديًا ودشداشة حمراء على رأسه، شعره المجعد الطويل يغطي رقبته من الخلف، انفغر فم أسامة وتوارى خلف الباب عندما استدار الرجل ينادي: اليوم يا أستاذ عبيد..
عرفه من نبرته الجهورية: أنور كيكو. وضع أسامة يده في جيبه. لا شيء فيه ولكنه الخوف من الماضي.
كان كيكو هادئًا وعليه لحية خفيفة. سلم لعبيد قرصًا لا كتابة عليه. سأله عبيد: «كيف الدورة؟» ورد أنور: «إيمان مثل المطر».. وبعد صمت وجيز، أردف: «أمانتكم أمي من بعدي».
كان للجملة الأخيرة وقع في نفس أسامة، تذكر أنه لم يرسل لأمه أي مصروف منذ شهرين ولم يذهب إلى المدرسة.
آسى لما وصل إليه. وأخبره موسى عن حاضر أنور كيكو سابقًا “أبو مصعب” حاليًا:
«قامت المنظمة بدورة لمعالجة مدمني الحشيش. من كل دورة يأخذون فردًا لتأهيله، اصبر وستعرف.. أنت طيب».
 في العصر، كان أسامة على كرسي السكرتارية، سمع عبيد وموسى يتشادان داخل المكتب. تلاحيا، غادر عبيد المكتب غاضبًا. خرج موسى من مكتب الرئيس والرضاب الأبيض حول شدقيه، ابتسم لأسامة الغارق في وحل التوجسات.
«يريدون أن أصور لغماً».
«لغمًا أم عبوة ناسفة».. تساءل أسامة فزعًا.
«لا فرق بين اللغم والعبوة.. كلاهما يؤديان إلى غرض واحد».
وران بينهما صمت لثلاثة أيام. بعدها حدث الانفجار. لغم زرع في كيس بلاستكي وسط الطريق، وحزام كان يرتديه أنور، انفجر تحت وفوق حافلة لطلاب المدرسة النموذجية، المدرسة ذاتها التي دخلها أسامة لثلاثة أيام. بُثت وصية أبو مصعب من القرص المدمج، وارتعد أسامة من كل مفصل، انهملت الدموع من عينيه، وقع في مصيدة الخوف.
«إلى أين؟» سأل موسى بصوت خفيض.
«المكان الذي أتيتُ منه.. سأضع حدًا للإحراج». رد موسى وهي يحمل أغراضه.
غادرا الاثنان..
عاد أسامة إلى الرصيف الضاج، كان واجمًا ومتدلهًا. تأمل فتاة تمشي وترج عجيزتها، كانت واحدة من اللواتي حضرن المنظمة. «امرأة ستفجر نفسها»، تخيل لوهلة. مشى قليلًا. رأى زميله بائع الجرائد يحمل صحيفة، وعلى غلافها  صورة موسى مضرجًا بالدم وعنوان بالأحمر: مجهولون يغتالون الناشط موسى أمام منزله.
استيقن بأنه الضحية التالية، فر من الرصيف، عاد إلى أمه بومضة خاطفة، كان يرتعد تحت اللحاف وكان وجهه مثل قمر بين الأدخنة

إنانا

(2) إنانا – رياض حمَّادي

في منتصف الثمانينيات أُعجب بشجاعة أسامة بن لادن وتفانيه في خدمة العقيدة. مر بعدها بمرحلة وسطية اعتدلت فيها نظرته للدين, ووصل أخيراً إلى مرحلة عقلانية, الإنسان فيها أهم من الدين. في مرحلته الأولى وعد نفسه أن يسمي ابنه البكر أسامة. كان يومها مراهقاً ومتحمساً, وعندما تزوج في منتصف التسعينيات خفت حدة العقيدة في ذهنه, لكنه لم ينس وعده, وهو لا ينكث وعداً قطعه على نفسه, كما أن موقفه تجاه ما يحدث استمر في التذبذب خصوصاً بعد غزو أمريكا لأفغنستان والعراق.

بعد سنتين من الزواج وُلد طفله البكر, أنثى جميلة. كان هذا كافياً ليعفيه من وعده, لكنه أصر على تسميتها أسامة, مخالفاً بذلك رغبة أمها. في صباح الاثنين الحادي عشر من سبتمبر ألفين وواحد كانت أسامة في الصف الأول الابتدائي. الحادث الرهيب جعله يفكر في تغيير اسم ابنته إلى أسماء على اسم أمها التي ماتت يوم ولادتها. لكن الفتاة كانت قد اعتادت الاسم فالتصق بها وبتصرفاتها الذكورية التي بدأتها كتقليد؛ لتكون اسماً على مسمى, ثم صارت صفة “مسترجلة” تلاحقها في كل مكان!

تربت أسامة على يد زوجة أبيها ولم تكن مشكلتها علاقتهما الباردة. كانت في شوق لمعرفة حب الأم, وحين عرفت أن “الأم مدرسة, إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق”, اتخذتْ المدرسة أُماً وأحبتها. لكن هذه الأم لم تبادلها حُباً بحب. قالت في نفسها: “الأم مدرسة, لكن المدرسة ليست أُماً!”.

تراكمت الحوادث القاسية في ذاكرة أسامة فقررت وهي تمزق الكتب في طريقها إلى البيت أن لا تعود إلى المدرسة مجدداً. مع انشغال أبيها, ألحقتها زوجته بمدرسة لتحفيظ القرآن ملحقة بمسجد (الجلا) في الحي. كان المسجد صورة أخرى لزوجة الأب التي يُضمر اهتمامها خططاً ناعمة للتخلص منها. ثم وجدت نفسها أخيراً في بلدة نائية زوجةً لأمير حل محل الأب, أغواها بدور الأم, وفي رأسه يعشش حلم تأسيس دولة إسلامية!

كان معلمها الذي يلقنها الدين في الجامع عصراً, يدير منظمة إنسانية تتلقى دعماً من جهات خارجية وتحارب الإرهاب في الوقت نفسه. ومن إحدى تلك الدول حصل على شهادة دكتوراه, ولو أن أسامة أكملت تعليمها لكان أستاذها في الجامعة. هو الذي غسل دماغها وأقنعها بالسفر معه إلى بلدة نظيفة من رجس الحكومة والمجتمع والمدرسين والمُدرسات القاسيات. قال لها: “الجهاد مدرسة, وهناك ستجدين بدل الأُم أُمهات المؤمنين…”.

في مدرسة الجهاد رأت كيف يمكن للولد أن يقتل أمه وللأب أن يقتل ولده! اكتشفت بعد فترة أن هذه المدرسة لا تختلف كثيراً عن بقية المدارس, فهذه من تلك! لكن لم يكن لها خيار, ثم أنها لم تنتقل من نعيم إلى جحيم, ويوم يُقدَّم لها بديلاً أفضل يمكنها أن تنجح في امتحان المقارنات!

منعاً للتشبه بالرجال غيَّر زوجها الشيخ الدكتور مهيمن عبدالجبار اسمها إلى فاطمة. لم تصرح برفضها للاسم, ففاطمة ليست أبشع من أُسامة! وتاريخ الميلاد ليس اليوم الذي ولدت فيه, بل اليوم الذي تعرف فيه ماذا تريد. والاسم الجديد ولادة جديدة, وأي اسم لا تختاره هي لن يخلقها من جديد!

هو أيضاً كان قد غيّر اسمه معتقداً أنه قد ولد من جديد. وقد ولد من جديد بالفعل, لكن الولادة ليست مهمة وإنما الهدف منها. لم يعلم وهو يختار اسمه الجديد أنه لا يختلف عن أدونيس الذي كانه, إلا في نوعية الفريسة, أدونيس الأساطير صياد سمك وهو اليوم صياد بشر!

أدرك أبوها بعد اختفاء ابنته مدى تقصيره. أراد أن يبدأ معها صفحة جديدة, لكنه لم يعرف كيف يمكن إنقاذها من براثن الإرهاب. انقضى نصف عام على رحيلها لكنه لم يفقد الأمل في استعادتها من براثن الموت. وبعد تفكير توصل إلى وسيلة يسترجع بها ابنته. كتب لها رسالة من عبارة واحدة: “لقد عادت أُمك إلى الحياة وترغب في فتح صفحة جديدة قبل أن تلاقي المصير المحتوم”!

استطاع أبوها إقناع أهالي الأبناء الذين التحقوا بالجماعات الإرهابية وبعض الأغنياء ببناء مدرسة صغيرة بمنهج عصري لا مكان فيه للنصوص والعقول المفخخة. مدرسة بمواصفات تجعل منها أُماً حقيقية. أما الجامع فقد عينوا فيه خريجاً لم يحصل على وظيفة وكان قد تحصل على معظم علمه من الكتب وليس من المدرسة أو الجامعة. إمام مسجد عصري, يحب القراءة والفنون ويخاطب الناس بلغة العصر.

استلمت رسالة أبيها ذات مساء وبعد أن قرأتها عرفت أنها رسالة مشفرة. قرأت ما بين سطور الرسالة وعرفت مغزاها. لقد اختبرت الموت وشاهدته كجزء من طبيعة حياتها في مدرسة الجهاد, وتعلم أن الموتى لا يعودون إلى الحياة إلا في الأساطير. تذكرت لعبة الكلمات التي لعبها أبوها معها مرة واحدة قبل زواجه من امرأة أخرى. رسالة أبيها المقتضبة أعادت لها ومضة سعادة من حياتها السابقة. تذكرت أغنية فيروز “أسامينا” فأـدركت أن أبوها لم يتعب في البحث عن اسم أنثوي يليق بالحب لا بالحرب.

“أسامينا, شو تعبوا أهالينا تلقوها

الأسامي كلام, شو خص الكلام, عينينا هني أسامينا.

عديت الأسامي ومحيت الأسامي

ونامي يا عينيي إذا فيك تنامي

وبعدو هالحنين من خلف الحنين

بالدمع يغرقني وبأسامي المنسيين

تا أعرف لمين, وما بعرف لمين”.

غفت على صوت فيروز يهدهدها من الذاكرة, واستيقظت فجراً وفي بالها سؤال: “ترى ما الاسم الذي كانت أمها قد اختارته لها!”. عندها أدركت لمن ذلك الحنين! لكنه حنين بعيد المنال, فلم يكن زوجها ليسمح لها بزيارة أبيها, فكيف إذا عرف برغبتها في الهرب.

كان الأب قد توصل إلى خطة. مع بداية شهر تموز حل الأب في بلدتهم بعد أن أوهم زوجها أنه مقتنع بالجهاد, ساعده في ذلك خلفيته الدينية التي جعلته يسمي ابنته أسامة. بعد أيام سمح الشيخ مهيمن لزوجته بالسفر لزيارة زوجة أبيها المريضة. رفضت العودة بمفردها, لكن أبوها أقنعها أنه سيجد طريقة للحاق بها هناك. وهو يودعها همس في أذنها: “(إنانا), اسمك الذي اختارته لك أمك قبل موتها”!

الاسم هوية وهي من سيختار هويتها, حينها سيسير كل شيء على ما يرام. مايكل وجورج وفيلهلم لا يمكنهم أن يمارسوا الذبح إلا بعد تغيير الدين وتغيير الوطن واستبدال أسمائهم بأخرى تليق بالسكين.

لقد عاشت حياتين باسمين لم تخترهما, وقد آن الأوان لتختار حياتها بالاسم الذي تحب – سماء. فمنذ اليوم لن تقبل بأقل من السماء مكاناً لها, ستكون سماءها مختلفة عن تلك التي لقنوها لها في الكتب العتيقة. سماؤها مُعدة لراحة الأرض, هكذا رأتها مذ كانت طفلة بريئة مع كل إشراقة شمس وهطول مطر.

تذكرت الاسم الذي همس به أبوها فبحثت عن معناه وعرفت أنها آلهة الأنوثة في السومرية وعشتار في اليونانية. أدركت رمزية الاسم فعرفت حجم تضحية أبيها, لكنها لم تَنُحْ كما ناحت إنانا وعشتار على تموز. قررت أن تكون كأفروديت, المرأة التي تحقق أهدافها مهما كلفها ذلك من وقت وجهد. ستنقذ أبيها حتى لا يتكرر مصيرها ومصيره كتموز. ففي زمن العلم يمكن تغيير الأساطير وتحقيق المستحيلات. وأول شيء فعلته من أجل عودتها إلى الحياة, هو استخراج شهادة ميلاد جديدة باسم جديد وتاريخ ميلاد جديد.

ضوء أحمر

(3) ضوء أحمر – غدير طيره

عند منعطف الطريق ، في المدينة الساحلية التي تقع على البحر الأحمر ، حيث يشاطر الفتى أسامة الأرض في حزنه بحثه عن عمل ينقذ أسرته من لسعة الجوع والحاجة التي اجتاحتهم بعد رحيل والدهم .. حينما هبت على بلادنا في عام 2011 م ، نسائم الربيع من تلك البلاد التي تقع في أقصى الغرب من وطننا العربي ، رحل البطل والد أسامة في حزيران من هذا العام في إحدى الانتهاكات التي تعرض لها شرفاء الوطن .

هكذا دارت الأيام حتى ألبست الفتى ( أسامة ) سبعة عشرة ربيعاً من عمره ، وهو لا يزال يواعد ( العمل ) بالبحث ، ولا يستطيع الحصول عليه . لن يطيب يومه إلا إذا عاد إلى عائلته وبين يديه كيساً من الأرغفة والقليل من الخضار … ، لا يعلم إلا الله ما الذي يجول في رأسه وهو يجر نفسه بصعوبة في تلك المنطقة المرتفعة حرارتها جداً ، لم يتوقف عن البحث بين الأزقة القريبة والبعيدة لكن دون فائدة من جميع تلك المحاولات .

بعد ذلك اليوم طلع الصبح وإذا بالفتى أسامة يعلن طلبه لصديق الصبا حسام لمساعدته في إيجاد وظيفة دائمة في ظل هذه الأوضاع الملتهبة لتأمين لقمة العيش … ، جاءت يد رطبة في قسوة الظروف التي تعرض لها الفتى وسرعان ما أبدى حسام تأكيده في المساعدة العاجلة ، قبل أن تغرب الشمس ومع أول حافله تحمل الركاب الى المدينة الصناعية ذهبا إلى إحدى المؤسسات التجارية التي تساعد الشباب في توفير فرص العمل ، لم يكن الالتحاق بهذا العمل بالغاً في الصعوبة ، بل في هذه المرة كان الحظ حليفه ، وفي لحظة رفع رأسه ، وهو باسمٌ وتسابق سعادته الرياح …. في غضون أيامٍ قليلة أصبح يباشر وظيفته الأولى كعامل تعبئة في مصنعٍ للمشروبات الغازية ، بعد فترة وجيزة تلقى دعوة عشاء هو وزملائه الذين التحقوا مؤخراً بهذه المؤسسة …   

في الثاني من كانون الأول / ديسمبر 2013 تعرّض الدكتور علي ياسين ، وهو سياسي معروف محلياً ينتمي لأحد الأحزاب السياسية لهجوم انتحاري ، فقد استهدفه انتحاري فيما كان عائداً إلى منزله هو وأفراد أسرته ، الذي لا يبعد سوى ميلٍ واحدٍ عن قلب المدينة حيث مركز المحافظة ، ما أسفر عن مقتله ومقتل اثنين من أفراد أسرته في الحال وإصابة بقية عائلته بإصابات متفاوتة ؛ كان الدكتور علي معروفاً بانتقاداته الجريئة للإرهاب ، وقال الناس إن الانتحاري يبلغ السابعة عشرة من عمره على الأرجح ، وقد عثرت الشرطة على ساقيه وبعض أجزاء أخرى من جسمه ….

صمت الليل واختلط بصمته ستر الظلام المتسلط على روح الأم التي أختفى ولدها خمسة أيام ، بحثت عنه هي وأخاه الأصغر في كل مكان ، المؤسسة التي ألتحق بها ، المستشفيات ، أقسام الشرطة ، ولدى أصدقاءه الذين يلتقي بهم ، بل و الذين لم يلتقي بهم منذ وفاة والده ، وكانت حينها بداية النهاية … ، أصبح وضع عائلته لا يطاق لابد من أن أسامة متورطً في أمرٍ ما ؟! أم أنه تم قتله ؟! ، بكلمات كهذه باتت الأم المغلوبة على أمرها تحدث نفسها ، فأسامة في الفترة الأخيرة أصبح يتحدث ويروج لبعض الجماعات التي مدت يد العون للشباب خلال الحرب …. ، عندما شاهدت الأم التلفاز ورأت خبر الاستهداف الانتحاري الذي أودى بحياة الدكتور علي ، شعرت وكأن الأرض قد مادت من تحت قدميها ، بل إن شعورها بأن أسامة هو الفاعل سيطر عليها …. ،

العشاء ……

لا أحد يعرف ما جرى في ذلك العشاء الذي جمع معظم موظفي المؤسسة ، لم تفشل وجبة العشاء إطلاقاً ، عندما وضع الطباخون آنية الطعام على النار لتسخين الدجاج المشوي ، هالهم أن الطعام لن يكفي هذا العدد الكبير من العمال ، لكن لحسن الحظ أن ذلك العشاء هو أفضل عشاء تناولاه من قبل .

ارتفعت الشمس كإشعاعٍ مقطعي ، و في صباح يوم الجمعة كان هناك بوستر كبير يحمل الاتهامات لأحد رجال الجماعات الإرهابية و تعلن الدولة أن كل من يستطيع تسليمه سيحصل مقابل ذلك على مليون ريال ، ما إن تعرف أسامة إلى صاحب الصورة حتى أنطلق بالشاحنة بأقصى سرعة صوب منزل حسام ، كانت لديه قناعة بأنه يعرف من يكون هذا الشخص وهو أحق بالمبلغ المادي وأنه سوف ينال منه بمساعدة صديقه ، لكن هذه المرة رفض صديقه هذا الأمر وقال له بأنه سيغادر المنطقة اليوم لأداء مناسك العمرة هو وأفراد أسرته ، وسأله إذا جاء مصحوباً بعناصر الشرطة ، داهم الرعب قلب أسامة ، و على وجهه ملامح الاستنكار قال حسام : ثم إنه لا يوجد إرهابيون في منطقتنا …. لاحظ أسامة أن حسام بدا قلقاً دون مبرر بشأن طلبه البحث عن الرجل المطلوب ..

الشيء الوحيد الذي لم يكن يعلمه أسامة بأن الرجل الإرهابي هو والد صديقه ، وأنه أصيب بعدوى تنظيمهم دون أن يدري ، بينما كان المكان فارغاً ، ولم يكتمل خوف أسامة الا و مجموعة من الرجال المسلحين يحيطون بالمكان ، تعرض لطلقة نارية في يده وهو في طريقه للهرب من نافذة المنزل الأمامية ، وفجأة وجد الرجل الذي بالإعلانات المعلقة أمامه ثم فقد وعيه ، انتصف الليل وأسامة لم يجري إسعافه وجرحه لم يتوقف عن النزيف .

لا يزال يمسك بكتف والده ويرجوه لعله يشفق على صديقة الجريح .

حسام : أقسم برب العرش يا والدي أن صديقي لا يتبع أي أحد وأنه لا غرض له في الايقاع بك أو أنه يمثل قوة ما ، هو لا يعلم بتاتاً أنك والدي .. صدقني هو ضحية هذا الإعلان اللعين ، وظروف اسرته الصعبة جعلته يطمع بالمال ويركع أمامنا ، دعنا نحضر له الطبيب لكي يبرأ جرحه ، بربك يا والدي ….. وأخيراً سمح القائد بإحضار أحد الجراحين الذين ينتمون لتنظميهم وأخضع أسامة لعملية جراحية داخل منزل صديقه ، بقي غائباً عن الوعي ولم يفق إلا في نهار اليوم التالي …. ، عندما أستيقظ من النوم وأدرك ما جرى ، كانت حبات العرق تتفصَّد من جبينه ، فقد رأى مرة أخرى الرجل الذي شاهده في الإعلان بشحمه ولحمه وباعتباره داخل منزله إذاً لا مفر من هذا الكمين الذي أوقع نفسه فيه ، وبعد ذلك اليوم أصبح أسامة بين أن يُقتل أو أن ينضم لمنظمِتهم الإرهابية ، لم يكن هناك خياراً لديه سوى الانضمام ….

كان يشعر أنه لن يحصل شيء يوقف ما أصابه كيف له أن يكون إرهابياً وهو لا يستطيع أن يذبح دجاجة ؟

الساعة بعد التاسعة حينما نقل أسامة إلى أقصى المدينة بواسطة قاربٍ صغيرٍ ، و تحديداً إلى أحدى الجزر التي تقع بالقرب من المدينة  … لحظات متسارعة وإذا الحال أصبح غريباً على الفتى ، ليضع أول خطواته في التدريب مع جنودٍ إرهابيين لا يسري في جسدهم سوى الموت…. أما هو فقد غادر الحياة قبل أن تغادر جسده هذه الأرض وهو يخضع لأوامرهم ، وقد دفن إنسانيته في سبيل البقاء على قيد الموت .

كم هو ثقيلٌ ذلك المشهد الساذج حين يرى المرء نفسه كما لم يرد أن يكون يوما .

تمضي (40) دقيقة من زمن بدء المهمة التي توجب عليه تنفيذها ، وكانت في ذلك الوقت المزدحم بالمارة والمركبات…، بدت الملابس التي يرتديها أسامة غريبة بعض الشيء ، فهو حاول أن لا يلفت النظر للأشياء التي بحوزته ، بدأ أسامة بملاحقة رجل الأعمال الشهير أحمد السيد الذي كان إلى جواره حراسة مشددة ، و تحديداً عند مفرق شركته ، كان أسامة يقود دراجة نارية و يقترب رويدا رويدا من أحمد ، و على حين غرة قام برمي متفجرات كان يخفيها بين طيات ملابسه ، خلال ثوانٍ قليلة أضحى المكان كتلة من اللهيب ، و بمساعدة جندي آخر يعتلي دراجة أخرى فر كليهما بعيداً عن موقع التفجير .

وصل أسامة إلى منزله وبرفقته أغراضٌ مختلفة لإخوته وأمه ، لم يبد على ملامحه أي شيءٍ يجعل والدته تشعر بالخوف ، بل كان طبيعياً للغاية ، كأن شيئاً لم يكن ، و دفن كل ما حدث وقام به في بئرٍ عميقة من الصمت .

عند تتبع حادثة استهداف رجل الأعمال أحمد السيد ، يتضح أنها حدثت بعد يومين فقط من دعوة العشاء ، التي أقامتها المؤسسة لموظفيها ، كان ذلك اليوم ليس لتناول العشاء والمغادرة فقط ، بل كان يتم جمع الجنود الجدد للتنظيم الإرهابي ، وكانت دعوة العشاء منبراً لتنفيذ المخططات اللئيمة !

فقد قام القائد صفوان ( كبيرهم الذي علمهم السحر ) برسم ما يقومون به وكأنه صورة لطريق الجنة ، كان هؤلاء الشباب ضحيتهم وأولهم أسامة الذي بدأ يجتاز مراحلهم الصعبة بجدارة .

بعد ذلك اليوم أصبح على غير العادة يثرثر مع أهله والآخرين حول الحلال والحرام والجنة والنار وكأنه داعية كبير لا أسامة ، الشاب الهادئ ، يردد أقوالهم وأفعالهم حتى أطلق لحيته و ارتدى عمامة سوداء ، ليبدو شخصاً آخر غير أسامة .

أنقضى أكثر من خمسة أشهر على انضمامه لهم قولاً وعملا … ، ليس هناك ثمة فائدة ترجى لما يساهم به أسامة من التحاقه لهذه الفئة من الناس ، حيث عاش معهم وعلى نهجهم أيضاً ، ولم يكن حسام راضياً عما يقوم به صديقه ، و لم يكن بمقدوره إيقاف تأنيب الضمير الذي يلاحقه كل يوم وكأنه هو المتسبب في وضع أسامة ، كان بحاجة إلى أن ينصح أسامة بالابتعاد عن هذا التنظيم لكن دون جدوى ، ربما لن يبات مرتاح الضمير الا حينما يتمكن من كشف جميع قادة التنظيم وأولهم والده .

كان القائد صفوان طويل القامة وسيم الملامح ، يمتلك الكثير من الأموال التي ورثها من عائلته ، إضافة إلى المؤسسة التجارية التي من خلالها ينفذ جميع أعماله الإرهابية ،  لديه من الأبناء حسام فقط ، توفيت زوجته وهي تلد ولده حسام ، وتزوج بعد وفاتها بعامين ولديه الكثير من الفتيات، سبل الشيطان كان يتبعها خلاف ما يظهره ، أما ولده فقد كان مختلفاً تماماً في ترتيله للقرآن وفكره الجائع للعلم دائماً .. ،

في ذات يوم ناقش والده حول ما يقوم به ورفضه التام لأفعاله الإجرامية ، دخل والده شبكة الإنترنت ليرى أحداث اليوم ويراقب رسائل البريد الإلكتروني ليتفاجأ بأن التنظيم ولأول مرة يصدر قراراً  بمنع تواجد حسام مع الجنود ، مع تشديد الرقابة عليه ومكافئة أسامة برفع مرتبته و أن يتم إعطاءه مبلغاً من المال مقابل العملية التي قام بها بنجاح.

كان كل شيء يبدو وكأنه حلمٌ مزعج ، في ذلك الليل عندما تجاوز حسام مكيدة التنظيم برفقة أحد الجنود وأسامة . قرر أن يفشي سر جميع تلك المعلومات التي يعرفها لصديقi و يخبره بأن يفر من هذا التنظيم إلى مدينة أخرى وأنه قام بجميع الترتيبات لهذا الأمر .. ولكن لم يخبرهم عن المخطط الذي سيقوم به في اليوم التالي لقتل زعيم الإرهاب في المنطقة وأحراق الشيطان الأعظم . كان كل شيءٍ يسير كما لم يتوقعه أسامة ، جمع ملابسه وأوراقه ليستعد للهروب لكن كان هناك أمر صعب عليه خوضه ، و هو أن يبتعد عن أسرته حفاظاً عليهم من الموت ، فوافق فوراً على ذلك . فر أسامة والجندي الآخر على متن حافله صغيرة إلى الشمال حيث الجبال ، ووعدهم حسام بأنه سيكون بجانبهم خلال ساعاتً محدودة .

وهكذا عاد حسام إلى حيث يمكث بعدما أنقذ صديقه ، ألقى بنفسه إلى تلك المياه الدافئة في حوض الاستحمام ، ارتدى ملابسه الجديدة ، قام بترتيب شعره بالمشط وفتح تلك الحقيبة ، ارتدى الحزام الناسف ، وأخرج من الخزانة خاتم أمه وضعه في بنطاله . ذكرياته الجميلة كانت أمامه وكأنها تعرض على شاشة التلفاز خلال ثوانٍ ، وتمنى لو أن أمه كانت تعلم ملامحه لكن الله كتبها أن تكون في جنة الخلد .

غادر حسام المكان مبتسماً واصل طريقة مشياً على قدميه إلى المدينة ، تحديداً بقرب الشارع العام حيث مركز المحافظة كان موكب الدكتور علي ياسين على وشك الوصول ، تم اختزال الوقت سريعاً ، ثم صرخ الله أكبر وأنكسر صوته خلال التفجير وعم الصمت والضجيج معاً في ذلك المكان .

جاء أفراد الشرطة الى مكان التفجير ، تم نشر الخبر الى أوسع نطاق ، علم التنظيم عن مقتل زعيمهم وكانت كارثة عظيمة بالنسبة لهم ، عندما علم القائد صفوان توعد بالنيل من الفاعل حتى وأن كان ميت سيقوم بقتل جميع أسرته .

حينما وجد أفراد الشرطة أجزاء حسام وساقيه ؛ تم العثور على خاتم نسائي بالساق اليمنى ، حينما علم القائد وشاهد الخاتم ، كان يتمنى لو أن الأرض تنشق لتبلعه ،

– حسام أين هو ؟

عثر عليه في جميع الأماكن أمر الجميع أن يجدوه لكن كانت تلك الصاعقة للقائد صفوان بأن من قام بتلك الجريمة ولده ….

اما أسامة تم متابعته وإيجادة وأطلاق النار عليه من قبل التنظيم . حينها وجده أحدهم طريحاً في أحد الشوارع الشماليه ، على أثر ذلك تم نقله للمستشفى لإنقاذ حياته من الخطر ، وأنقذ بالفعل ولكن بعاهة مستديمة بفقده لساقة اليمنى وصديقه . القديم .

على عتبات جامع

(4) على عتبات جامع – سماح حسين

ولد النهار من جديد، تطلع الشمس بوجهها العابس المكفهر، تقاوم رغبتها بالبكاء متظاهرة بالقوة أمام السماء التي لا تكف عن مسح دمعاتها الحزينات، وبصوت حانٍ، تهتف الشمس”لا تبك يا سماء؛ أعرف أن ما ترينه كل يوم من ظلم وجور ودماء بريئة قد سُفكت وتفجرت ينبوعاً شربت الأرض منه حتى ارتوت وما ارتوى مُريدوها ما يجعلك حزينة وبائسة.. أعدك صديقتي! غداً تستعر النار في خافقي، وأطلقها على كل قاتل عبثي لا يرحم.. غداً تتخلص الأرض من قذاراتهم المطمورة، وتغسلين بماءك المنهمر وجه الأرض.. لتعود قداستها وطهارتها، فيشع نوري الفتان، وتغمرك الزرقة الصافية من جديد.. فيعم السلام، ويتعطر الزهر بالندى، ويغني الطير أهازيج الفرح.. يا سماءي الجميلة! أزيحي غيومك المتلبدة! فــورب الـكون سـأحمـيك بكـل مـا أوتيـت مـن غضـب”

  تسللت خيوطها الأولى عبر زجاج النافذة الصغيرة، فيداعب ضوءها الدافئ عينيه ووجنتيه، يقلب جسده النحيل على الفراش، وبالكاد يُخرج يده من تحت بطانيته، يفرك عينيه بتثاقل، لايزال النوم يغريه وجسده لم يرتح بعد، لكن لا مجال لفعل ذلك أبداً..

بعد نكبته العصيبة بفقدان أبيه بحادث نقل مآساوي على حافة نقيل جبل سُمارة قبل عام تقريباً؛ كان لابد للشاب أسامة أن يُعيل أسرته عوضاً عن والده، وأن يتحمل مشقة الحياة، فترك مدرسته وكتبه التي لطالما أحبها ليلتحق بصفوف اللاهثين عن فرص للعمل.

 ارتدى ثيابه في عجل، لم يلتفت للمرآة النصف مكسورة كي يرتب هندامه أمامها ويُسَرِح شعره ببعض الجل كما يفعل من هم في سِنه، لا يزال في السابعة عشرة ربيعاً، ولكن المحن من ألبسته ثوباً كبيراً لا يناسبه، ثوب لرجل راشد شديد البأس وصعب المراس وعليه التأقلم مع العواصف التي قد تواجهه..  شطب من ذاكرته كل متعلقات ذاك الطفل المتشبث بزينة الحياة المبهرجة واللامعة، المراهق المتعجرف على كل شيء لايعجبه، المدلل الذي يلبي له والداه كل طلباته.. كل هذا تم محوه من عقل أسامة  ورميه في غياهب النسيان.. عامٌ من الحرمان، الضياع والفاقة كفيل لنضوجه والشعور بالمسؤولية المحتّمة عليه رغماً عنه..

وجه خطواته المتعجلة صوب أمه المتعبة.. ارتمى في أحضانها، يقُبّل كفيها ورأسها، يكفكف دمعها ويطعمها ما بحوزتهم من طعام ضئيل.. يغتصب ابتسامة باهتة أمام والدته وأختيه الصغيرتين (وفاء ذات العشر سنوات وسناء ذات الثمان سنوات) يهتف وعيناه تلمعان ببريق الأمل:

-ماذا تريدان أن أجلب لكما اليوم أيتها الجميلتان؟

تشرق ابتسامة الصغيرتان، تنظران لبعضهما بفرح وتبدآن بإحصاء ما تحبانه مستخدمتان أصابعهما الصغيرة:

“حلوى، سكاكر، شيكولاتة، فطائر…”

-كل هذا؟ أستأكلنه كله؟!

=أجل، بالطبع..

يضحك لبراءتهما ويعدهما بجلب ما يستطيع عيه، يتجه للبحث عن عمل جديد.. المتاجر.. الأسواق.. جميعهم يزجرونه، يرفضونه.. البلد يمر بظروف عصيبة ولا وظائف شاغرة يستطيع تقلدها، تمر أيام تلو أخرى والبحث لايزال جارٍ، حتى وجد بقالة يباع فيها الخضروات ومواد غذائية.. قبل صاحبها بأن يكون مساعده، فرح أسامة واشتعلت روحه بالسعادة، كان يحمل البضاعة ويرصفها جيداً، يفاوض في الأسعار ببراعة.. وينقل للزبائن مشترياتهم على عربية قديمة  حتى منازلهم لقاء بعض البقشيش.. بدا فتىً حذقاً واسع الدراية ويعتمد عليه في كل شيء.. هكذا كان يعمل منذ الصباح وحتى الليل دون راحة عدا لوجبة الغداء، لم يكل أو يمل..

مرت أيامه مستقرة نسبياً حتى اشتد المرض على أمه وهزلت قوتها.. لم يعد يكفي ماله الزهيد ليقلها للطبيب.. صحتها تتدهور ولا بد من حل لذلك.. أخبر رب عمله بحال والدته وسأله زيادة في أجرته، أو إقراضه بعض المال، فكل ما يجنيه لا يكفي لتلبية أدنى مقومات الحياة.. حاول إقناعه، إلا أن محاولاته كلها قد باءت بالفشل، يخنع للقرار ويستسلم لسيده، مر أسبوع  وهو بذات التيه والتخبط بين قساوة  وكدر الواقع الخارجي وبين أنّات تتأوه لشد جراحها مكتنفة بين جدران منزله الضيق، لاعلم  لأحد عن حالها غير رب الكون..

~لا رحمة؛ لا رحمة في هذه الحياة في قلوب البشر..  وإن وجدت! فلن تكون أبدية..

تلوح الأيام لا جديد فيها، حتى ذات ظهيرة حارقة؛ مر رجل للبقالة لشراء بعض الحاجيات.. لفته حال أسامة، وبدأ يسترسل معه في الحديث، وأسامة يفض مكنونات صدره بعفوية، إنها المرة الأولى التي يجد فيها أحداً يهتم بقصصه، بحياته البائسة، والمريرة.. ومن أحسن من هذا الرجل الورع، الطاهر، الكامل الصفات والحافظ لكتاب الله عزوجل ليفعل ذلك معه؟!

ظل الرجل يتردد عليه يوماً بعد يوم.. يستمع إليه،  يذرف الدمع ويربت عليه ببعض المال والدعاء ثم ينصرف..

 توطدت صداقتهما، أخبره الرجل بترك رب عمله (الحقير) الذي يستغله أيما استغلال، و أن ينظم لمنظمة خيرية لرعاية الأطفال واليتامى، يكسب منها رضا الرحمن وعفوه، وكذا رزقاً حلالاً زلالاً ينعمه بحياة فارهة رغيدة، اقتنع أسامة سريعاً وترك عمله..

“ياه! يا للنقاء! يا للصفاء! يا للوجوه!! تشع طُهراً ملائكي، خير أهل الأرض، خير المسلمين وأجلهم، أرأفهم قلباً، أوسعهم رحمة وكرماً”

هكذا شهقت عينا أسامة وقلبه لما يشاهده من أفراد تلك المنظمة، الجميع يهتمون به، يتبادلون معه الأحاديث الودية، ويصنعون الكثير من الجميل المادي والمعنوي لأجله.. لقد صاروا أصدقاء بل أخوة أعزاء على قلبه..

مرت الشهور وحالت الفصول، توطدت العلاقة، وأسامة صار يشبههم، يطيل لحيته الخفيفة ويلبس ثوباً قصيراً وسروالاً أبيضاً، يداوم على أداء الصلوات معهم، ويفعل الخير لليتامى والمساكين مثلهم..

يتلقى محاظرات دينية تهز كيانه هزاً، نبرات الشيخ أبو جهاد مؤثرة جداً، خصوصاً حين يتعالى صوته وتتكاثف دموعه لتنحدر شلالاً من أجل المسلمين وقهراً من الكفار أعداء الدين..

“هذا الظلم! هذا الفسق! هذا المجون!

 كله بسبب أولئك المارقون الموالون لليهود والنصارى؛ لنشد أيادي بعضنا حتى نُطهر البشرية منهم، ونشيد دولتنا الإسلامية الحق، لا تصدقوهم إنهم كفاراً وليسوا بمسلمين.. اللعنة عليهم أينما حلواً.. الموت لهم أينما ثقفوا، الله أكبر على الكفار”

ومع صوت أبو جهاد والصور التي تبثها شاشة العرض للمجاهدين الأبطال، ينتحب التلاميذ ومنهم أسامة متأثرين..

جاءت اللحظة التي طُلب منه تنفيذ مهمة مع بعض أفراد الجماعة بعد عدة أيام، لم يخبر والدته أو أختيه، بل لم يعد يهتم لأمرهن كالسابق، فأمه ستعيقه عن خطته للذهاب إلى الجنة.. لحور العين اللواتي ينتظرنه.. كانت المهمة استهداف “معبد للمجوس الكفار” كما يصفه أبو جهاد.. وعلى الرغم من أنه كان مشحوناً ومتحمساً للعملية، إلا أن ثمة مُضغة فيه تحاول إخباره، زجره.. تسحبه للماضي.. لعمق طفولته.. وتستحضر صور أبيه  كثيراً في ذهنه.. يصرخ باكياً..

“أشتاق إليكـ أبي، كم أحتاجكـ! أشعر بالتيه، أحضني، لملم شتاتي، آآه”

وعلى حين غرة؛ يزوره ابن عمه وائل.. يتجاذب معه الحديث، يُحرجه ليتمشيا قليلاً.. يصدح المؤذن بآذان الظهر، ويُصِّر وائل عليه لأداء الصلاة بالمسجد المقابل، يدلفا، تتأمل عيناه المكان، يتذكر حديث أبو جهاد، إنه معبد الكفار، يحاول التملص بالأعذار ولم يستطع، يستسلم ويستعد للصلاة،،

 صلى صلاته.. معهم، ومع إمامهم، لم يدرك الفرق، تلك الصلاة؛ هي ذاتها التي يصليها مع أبو جهاد.. يجلس القرفصاء يسبح، ويتأمل ما يجول حوله، فتيان يلهون مع آباءهم، فرقة ترتل كتاب الله بصوت جميل، وآخرون يجتمعون بحلقة دائرية يذكرون الله، الجميع يتحدث معه بصورة تلقائية ودودة.. وكان يتصنع الود مثلهم..

يعود للمنزل ومشاهد الجامع لم تفارقه، الأطفال، الشيوخ الذين لا تفتر ألسنتهم ذكراً لله، وأشياء عنفوانية كثيرة، تتصارع أفكاره، تصطدم، تذكر أن أبو جهاد أشاد بإعطائهم أقراصاً تعينهم على أداء المهمة بقلب جامد ثابت لا يضعف أو يستكين بلحظة.. يتصفح الإنترنت باحثاً عن شيء يفيده، عن ماهية جماعتهم..  يفهم أن تلك الأقراص تستخدمها جماعات إرهابية لتجردهم من الإنسانية، من الرحمة، فلا يستعطفهم منظر الأطفال أو الشيوخ والناس العزل.. يتوغل باحثاً عن التفجير في المساجد.. صور مصطبغة بالدم الكثيف، أشلاء هنا، أحشاء ممزقة هناك، والكثير من الصور التي تقطع القلوب، يُغطي عينيه، ليس بوسعه تحمل مشاهد أكثر، ينزعج، تثور ثائرته ويغرق بالبكاء.. تذكر أبيه أخيراً بطلته البشوش وبصوته الباعث للسلام وهو يعلمه:

 يا بني! احفظ الحديث “كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه”.

 يؤلمه قلبه ويعتصر كيانه الخذلان، لقد وثق بهم حتى أعطاهم قلبه الصادق، ولم يكونوا سوى ذئاب فتاكة  في ثوب حمل وديع، يصرخ منتحباً:

-ما لذي كنت سأفعله، ما الجرم الذي كنت سأقترفه!! كنت سأقتل الناس باسمك يا الله. باسمك أنت يا ربي…

يُقسم على نفسه أن يحول عن تلك الجريمة التي سيرتكبونها يوم غدٍ بشتى الوسائل، حتى لو كلفته حياته ثمناً لذلك..

أحلام مسروقة

(5) أحلام مسروقة – فاطمة خالد

ككل صباح تستيقظ حنين على أنغام الأغاني الكلاسيكية القديمة التي تداعب ذكرياتها القديمة في تلك المدينة المهجورة بسبب التطرف والإرهاب.

تذهب حنين بسيارتها القديمة ولكنها سريعة بالقدر الذي يوصلها إلى عملها بالوقت المطلوب ولكنها تأخرت في أحد الأيام وهي المرة الأولى في حياتها العملية، والسبب كان السيدة العجوز!

استوقفت حنين منظر سيدة عجوز كانت تنثر الحبوب لتطعم الحمام المنتشر في أرجاء الساحة المطلة على الشارع وظلت حنين تتأمل لطفها على الحمام فقد كانت أشبه بأم تطعم صغارها.

ترجلت حنين من سيارتها وذهبت تداعب الحمام ،ولكنها ظلت بعيدة من تلك السيدة حتى تقدمت  نحوها رويداً و أعطتها بعض الحبوب لتكمل حنين إطعام الحمام ، جلست السيدة على ذلك الكرسي الموجود في الساحة لتأخذ قسطاً من الراحة ، وعندها اشتغل الحس الصحفي لدى حنين وذهبت لتجلس جوار السيدة و أخذت تسألها عن سبب إطعامها للحمام بشكل يومي دون كلل أو ملل؟! ولكن إجابة تلك السيدة لم تتجاوز الأسطر فقد ردت بصوت مخنوق مجروح: أطعمهن حتى أخفف عن ابني أسامة!

لم تفهم حنين قصدها فتبادر إلى ذهنها بأن أسامة قتل سرباً من الحمام..

كان تفكير حنين سطحياً لم تعلم ماذا تقصد! ولكن فضولها لم يمنعها من سؤال آخر.

حنين: ما هو الجرم الذي ارتكبه أسامة بحق الحمام؟

ظلت أم أسامة صامتة لبعض الوقت ولكن إلحاح حنين جعلها تسرد قصة ابنها أسامة:

كان أسامة كباقي أقرانه لديه طموحات يسعى لتحقيقها ، وكان يحلم بأن يصبح كابتناً يحلق بالطائرة عالياً في السماء ، لقد كان الأول في صفه ، وكان أحد الطلاب المثاليين في مدرسته ولكن مرض والده سرق حلمه. فقد أجبر على ترك المدرسة والعمل حتى يعيل إخوته وأبويه.

لقد تحصل أسامة على عمل لدى حداد وكان حينها غير راضٍ عن عمله ولكنه تحمل عناء العمل الشاق بسبب مرض أبيه واحتياج إخوته للعيش بكرامة لم يدم عمله طويلا عند الحداد ،  فقد طُرد منه ولسبب لم نعلمه!

حنين: ما هو المرض الذي يعاني منه والد أسامة؟

أم أسامة: لقد أصيب بجلطة دماغية بعد طرده من وظيفته.

حنين: هل وجد أسامة وظيفة ؟؟

أم أسامة: لقد وجد وظيفة تحفظ لنا العيش بكرامة و براتب مُغرٍ.

حنين: ما هي الوظيفة؟

أم أسامة : مراسل

حنين: لدى قناة؟!

أم أسامة: لقد كان مراسلاً لدى شركة ترسل طروداً من مكان إلى آخر ولكن هذا العمل قضى على حياته!

أكملت أم أسامة سرد قصة ابنها وهي تذرف دموعها: -وسط دهشة ورهبة  ملحوظة  في عيون حنين-  لقد ساعدنا أسامة كثيراً بهذه الوظيفة ، كان يؤمن كل احتياجاتنا بكل سهولة ويسر.. ولكن لا يزال هناك علامة استفهام لدى حنين.. كيف أنهت الوظيفة حياة أسامة؟!

لم تدم علامة الاستفهام طويلاً فقد أجابتها أم أسامة بأن ابنها تورط بعملية إرهابية  قضت على أسامة وأحلامه , فقد كانت الطرود عبارة عن عبوات ناسفة يتم نقلها إلى المكان المطلوب لتفجيره ولا تعلم أم أسامة ما مدى معرفة  أسامة بمحتوى تلك الطرود.

نهضت حنين من مكانها مصدومة وتوجهت إلى سيارتها و عادت إلى المنزل واختارت أن تكون منعزلة في ذلك اليوم الحزين وأخذت تكمل رواية للكاتب ونيس أنيس بعنوان أحلام مسروقة , شارفت حنين على إنهاء الرواية ويبدو أن النهاية مشابهة لنهاية أسامة.. لقد وجدت حنين تفاصيل دقيقة جدا توحي بأن الأحلام المسروقة هي أحلام أسامة.

في صباح اليوم التالي ذهبت حنين باكراً إلى عملها وطلبت من مخرج برنامجها الإذاعي ترتيب موعد لاستضافة الكاتب ونيس أنيس لمناقشة كتابة أحلام مسروقة ، تمكن المخرج من خطف يوم من حياة الكاتب ونيس انيس لإجراء المقابلة معه

و جاء الموعد المنتظر..

حنين: مستمعينا الكرام مرحباً بكم معنا في حلقة اليوم التي نستضيفُ فيها كاتباً مميزاً كرواياته ألا وهو الكاتب ونيس انيس.

ونيس : شكراً لاستضافتي في هذا البرنامج الصباحي اللطيف.

حنين: شكراً لتلبيتك دعوتنا.. بدون أي مقدمات ماهي الأحلام المسروقة و ممن سرقت؟!

ونيس : قبل أن أجيب على سؤالك أريد أن أوضح للمستمعين بأن رواية أحلام مسروقة حقيقية بكل تفاصيلها وليست من نسج الخيال.

حنين: هلا وضحت لنا أكثر

ونيس: كان لديَّ صديق وفيٌّ و بريء ، كان يدعمني دوماً ،  كان يقرأ قصصي الطفولية ويشجعني على الكتابة.. ولكني فقدته

حنين: ولكنك ذكرت تفاصيل مهمة جداً حدثت في حياة صديقك

ونيس: قبل أن يموت أرسل صديقي كل مذكراته ومنها نسجت رواية أحلام مسروقة والتي هي بالأصح مذكرات صديقي الوفي

حنين: ومن سرق أحلام صديقك؟!

ونيس: الإرهاب و التطرف .. كان صديقي شغوفاً مثابراً يسعى لتحقيق أحلامه ولكن المجتمع سرق أحلامه , أصبح والده طريح الفراش بسبب غلطة لم يرتكبها ؛ ففي إحدى الأيام اتهموه باختلاس مبلغ ضخم ولأن والده إنسان شريف لم يتحمل ذلك  فمرض وخسر صديقي وأسرته مصدر دخلهم الوحيد ، همَّ صديقي للعمل لدى ورشة ولكن سرعان ما طُرد من عمله و كان سبب طرده تهمة والده وقضية الاختلاس وعندها استغل الإرهاب ضعف صديقي و حاجته للمال.

كان صديقي يشك بحقيقة أعمال المنظمة ولكنه لا يملك الخبرة الكافية للتعامل مع أولئك الذئاب البشرية وكانت مذكراته المتنفس الوحيد له ، كانت فرصته الوحيدة ليخبر الجميع بخذلانهم لأحلامه حتى لا تتكرر هذه التجربة القاسية مع شخصٍ آخر، و قبل أن يموت صديقي تسلمت مذكراته عند طريق البريد.

دموع حنين التي  تملأ خديها بدت مصرحة ومؤكدة  بأن صديق ونيس الكاتب هو أسامة، الذي أخذت والدته عادتها اليومية نثر الحبوب في الساحة للحمام للتخفيف من عبء أسامة لتخبر الكون بأنه ليس إرهابياً وأن أحلامه شبيهة بالحمام رمز السلام والمحبة.

لا أحد يعلم بسر تلك العجوز الثكلى غير حنين التي ذاقت كؤوس القهر من الإرهاب , الإرهاب الذي جعلها تفر هاربة من مدينتها تاركة ذكرياتها ، أصدقاءه، أهلها…

حاولت حنين تجفيف دموعها وإكمال المقابلة: لماذا لم تذكر اسم صديقك الكامل في الرواية؟

ونيس: نعم هذا صحيح. لقد تجنبت ذلك لأنها رغبته وخوفه على أهله من بطش تلك المنظمة , لقد اكتفيت بذكر اسمه الحقيقي أسامة دون لقبه

حنين: هل تقابل مع أسرة صديقك؟

ونيس: لا أعلم أين هم ولكن أتمنى أن أقابلهم ولو لمرة واحدة.

كانت دموع حنين تنهمر بغزارة لم تستطع أن تكمل الحوار و طلبت من المخرج فاصلاً حتى تجفف دموعها وتضبط أعصابها.

انتهزت حنين وقت الفاصل لتخبر ونيس أنها تعلم أين أسرة أسامة أخبرته بأنها (تحت الهواء)

بينما ونيس كان هو الآخر يذرف الدموع وطلب من حنين مقابلة أهل أسامة وقد وافقت حنين على طلب ونيس.

حنين: عدنا إليكم مستمعينا في الجزء الأخير من حلقة اليوم..

أستاذ ونيس: ما هي رسالتك الأخيرة التي تود توجيهها إلى المستمعين؟!

ونيس: لقد فقدت أسامة صديقي و براوية أحلام مسروقة أردت إرجاع حق صديقي ورسالتي لكم أعزاءي ابحثوا عن أسامة بينكم و أنقذوه من بطش الإرهاب و التطرف فهناك الكثير كأسامة في مجتمعنا لا تتيحوا الفرص للإرهاب بأن يسرق أحلامكم.

حنين: وصلنا إلى نهاية حلقة اليوم مع الكاتب ونيس أنيس  شكراً لكم مستمعينا ونختم مع أغنية (أغنيتي للطفل والطفولة).

وبعد انتهاء المقابلة ذهبت حنين برفقة ونيس إلى الساحة  للقاء أم أسامة والحديث معها  وعندما وصلوا إلى الساحة وجدوها تحمل مذياعاً صغيراً وكأنه دليل براءة أسامة في عيون مجتمعه الظالم.

لقد كان يصدح بأعلى الصوت و كأنها تقول للناس: اسمعوا فأسامة ليس إرهابياً ، وأول ما نطقت به: شكرا لكي ابنتي لإصرارك على معرفة حقيقة أسامة وشكراً لك ايضاً على نشر مذكرات أسامة ليعرف الناس ببراءته.

أجهشت حنين بالبكاء و كذلك ونيس ولم يتمكنوا من النطق بكلمة واحدة بخلاف أم أسامة التي كانت دموعها تتراقص فرحاً لبراءة أسامة وحاولت أن تُهدئ من روع ونيس و حنين التي بدأت تقص عليهم كيف غادرت مدينتها بعد التفجير الإرهابي الذي راح ضحيته الكثير من سكان المدينة وكانت الصدمة بأن مدينة حنين هي عينها التي قضى أسامة فيها نحبه.

لم تلُم حنينُ أسامةَ لأنها علمت قصته الحقيقية بل لامت الجهل المزروع في المجتمع ومن خلال برنامجها الإذاعي خصصت فقرة توعوية ضد الإرهاب.

———————————-

تنويه: تلقيت القصص من أصحابها ونشرتها هنا بدون تصحيح أي أخطاء.

ملاحظاتي:

يقف الكاتب أمام مسابقة مثل (أنقذوا أسامة) حائراً, فإما أن ينقذ نفسه بانتصاره لمعايير الفن الذي لا يقبل الشروط المسبقة, وإما أن يخضع لشروط المسابقة فيقع في المباشرة والتعسف. الكاتب الفنان الحر لن ينتصر إلا لفنه ولغته, وهذا ما فعله سلمان الحميدي في قصته (قمر بين الأدخنة), الكاتب الذكي قد يحاول التملص من شروط المسابقة ويسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وهذا ما فعلته في قصتها (أحلام مسروقة) وما حاولته أنا في قصتي (إنانا).

أعضاء لجنة تحكيم هذا النوع من المسابقات الموجهة يقعون أيضاً في حيرة, إما أن ينتصروا للفن أو أن يخضعوا لشروط المسابقة. وما يؤخذ على أعضاء لجنة تحكيم مسابقة (أنقذوا أسامة) هو أنهم لم يقعوا في هذه الحيرة وإلا لكانوا توصلوا إلى صيغة وسطية تضمن اختيار قصص حاولت مراعاة الجانبين قدر المستطاع.

من بين خمسة قصص نشرتها في مدونتي هناك قصص جديرة بالفوز وهي أجمل بكثير من التي فازت في المسابقة الرسمية. فما هو السر يا ترى؟!

هل هي الذائقة؟!

الوساطات والعلاقات؟!

الحظ؟!

أم هناك أسباب أخرى؟!

لعلِّي ألتمس لأعضاء لجنة التحكيم عذراً في أن كل القصص لم تصلهم!

يحدث هذا, كما علمت من صديق مطلع, فلا تصل للجنة التحكيم إلا ما يتم فرزه من قبل جهة لا يعلم عنها القراء أو المشاركين شيئاً!

التصويت الذي أجريته لاختيار قصة من بين خمس انتهى لاختيار قصتين:

(أحلام مسروقة)

و (قمر بين الأدخنة)

لو أني عضو تحكيم في لجنة تحكمها معايير الفن لاخترت قصة (قمر بين الأدخنة) لسلمان الحميدي, ولو أني عضو لجنة تحكيم في مسابقة (أنقذوا أسامة) لاخترت قصة (أحلام مسروقة), لفاطمة خالد.

المخيلة الجميلة وتصوير مشاهد حية للحياة اليومية واللغة السلسة المنفلتة من لغة القصة المقتصدة ومن قيود المسابقات, هي أهم ما ميز قصة (قمر بين الأدخنة), اللغة هنا أقرب للرواية منها إلى القصة. أسامة ببساطة شديدة أنقذ نفسه بنفسه, فكّر وعاد إلى فقره وأمه. مع ذلك لم تتمكن القصة التخلص تماماً من شروط المسابقة فجعلت فقر أسامة دافعاً لتورطه في الإرهاب, لكن ما يُحمد لها في النهاية أن علمه بحقيقة المنظمة دفعه إلى ترك العمل, وهو ما يعني أن الفقر ليس دافعاً رئيسيا للإرهاب.

لم تلتزم قصة (أحلام مسروقة) بشروط القصة فحسب, بل وفهمت الرمزية التي تمثلها شخصية أسامة. أسامة ليس فرداً ولكنه رمز لمجتمع بكامله, وبالتالي يجب أن ننقذ الجميع وليس أسامة فقط.

أسامة في هذه القصة قد مات ولا يمكن إنقاذه, أقصى ما يمكن فعله هو إعادة الاعتبار له ولأمه. وهذا ما فعلته القصة باتباع وسيلتين إعلاميتين: الإذاعة والرواية. بهاتين الوسيلتين يمكن إثبات براءة أسامة وتوعية الناس. وهناك جوانب ذكية أخرى في القصة مثل الحمام الذي يرمز للسلام. بعد انتهاء لقاء حنين بالأم كانت القصة قد انتهت لعلمنا بمقتل أسامة, لكن مسار السرد فتح خطاً جديداً مدهشاً بإدخال شخصية الكاتب وتعرفنا على طبيعة عمل حنين. ترهلت القصة بسبب إطالة الحوار, ووقعت في شيء من المبالغة “المدينة المهجورة بسبب التطرف والإرهاب”, وأُغرقت بكثرة البكاء والدموع, مع ذلك هذه القصة أجمل بكثير من تلك التي فازت في المسابقة الرسمية.

لا أميل إلى كتابة هذا النوع من القصص المشروطة, لولا أن في قصة (إنانا) بزغت فجأة في رأسي وقررت كتابتها في أقل من ساعة, خضعت بعدها إلى التنقيح. أسامة في القصة ليس ولد ولكنه فتاة. كان والدها يحب أسامة بن لادن وقرر وهو مراهق أن يسمي أول أولاده أسامة, وبعد أن تزوج رزق ببنت فسماها أسامة. عالجت في القصة عدة قضايا غير مسألة الإرهاب. مشكلة الأسماء وأهميتها مستعيناً بأغنيتين لفيروز, التربية وعلاقة الأبناء بالآباء. عالجت قضية الإرهاب بالعودة إلى جذوره الدينية والتعليمية في المناهج بداية من المدارس ووصولا إلى الجامعات, ثم أشرت إلى مصادره الغربية من خلال دعم المنظمة الإنساني من جهة والإرهابي من جهة أخرى.

وتخلل ما سبق خطاب تأملي عادة ما يكون أكثر التصاقاً بالرواية.

توقفتُ عند مسألة إنقاذ أسامة وبزغتْ في رأسي أسطورة عشتار وإنقاذها من العالم السفلي وهي أسطورة ترمز لتبدل الفصول. عشتار عند البابليين يقابلها إنانا آلهة الأنوثة في الحضارة السومرية, ويقابلها عشتروت عند الفينيقيين وأفروديت عند اليونانيين وفينوس عند الرومان, وهي نجمة الصباح والمساء (كوكب الزهرة). تزوجتْ إنانا تموز وعند مقتله تحزن عليه حزنا شديداً وتقوم بتضحية اختيارية فتنزل إلى العالم السفلي لرؤيته. وبما أنها آلهة الخصب فنزولها إلى العالم السفلي يؤدي إلى سوء الأحوال على الأرض. عندها تأمر السماء بتخليص إنانا وبعودتها يعود تموز أو الحياة. هذا ملخص للأسطورة التي لم أقتبس منها سوى رمزية الهروب.

طغيان الفكرة أو الأفكار على القصة يفقدها جمال اللغة, ولا يمكن التوفيق بين العنصرين خصوصاً في هذا النوع الموجه من القصص. وعليه لا يمكن التملص من المباشرة والتعسف تماماً, وإن كنت قد حاولت. وهذا شاهد على أن الفن والأدب الموجه, أو ما يسمى بالفن الملتزم, يفقد الكثير من رونقه وجوهره عندما يخضع للشروط والمعايير المسبقة.

وقعت قصة (ضوء أحمر) لغدير طيره, في تناقض, فالمقتول علي ياسين “سياسي معروف بانتقاداته للإرهاب..”, وفي نهاية القصة يظهر كزعيم للتنظيم الإرهابي! أرادت أن تضفي وقع المفاجأة على القارئ لمعرفته أن زعيم التنظيم الإرهابي هو نفسه السياسي الذي ينتقدهم, لكنها أخفقت في إزالة اللبس. أيضاً لم تنج القصة من المباشرة والتعسف والحشو, كما أنها أنقذت أسامة ولم تقدم حلولا لإنقاذ المجتمع, وأرجعت سبب الإرهاب إلى الفقر.

ركزت قصة (على عتبات جامع) لسماح حسين, على الخلافات المذهبية بين أتباع الدين الواحد التي تدفعهم إلى تكفير وقتال بعضهم البعض. وقعت القصة في العيوب سالفة الذكر, أما إنقاذ أسامة فيتم بتفكير ذاتي ومراجعة للنفس.

5 تعليقات على “أنقذونا

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s