رسائل وتعليقات إلى روائي شاب

12938733._SY540_

رسائل ماريو بارغاس يوسا وتعليقات رياض نسيم حمَّادي

الرسالة الأولى: قطع مكافئ للدودة الوحيدة

تتحدث الرسالة عن الميل الأدبي أو الاستعداد الفطري الذي يجب أن يتوفر في أي كاتب. والميل الأدبي أو الاستعداد الفطري ليس قدرا ولا هو مكتوب في الجينات لكنه في المقابل ليس اختيارا حرا, وإنما ميل واستعداد فطري أو موهبة يتم تعزيزها بالمثابرة والتكريس المتواصل.

تعليقي:

يُبدع الكاتب عندما يتوفر له هذين الشرطين, قد يكفي واحد منهما لصناعة كاتب, أما الكاتب الخلاق فلا بد له من اجتماع الشرطين.

رغبتك في كتابة رواية تختلف عن الرغبة في أن تكون روائياً. الأمر مختلف, أن تكون روائياً لا يعني أن تكتب الرواية بألف ولام التعريف. نوع الرغبة هو ما سيحدد مستوى ما ستكتبه. يمكنك أن تكون روائياً بمجرد كتابتك أي “رواية”, لكن الرواية العظيمة تصنع الروائي العظيم, وليس العكس. يقول هاروكي موراكامي “لم يكن لدي أي طموح لأصبح (روائياً) كانت لدي فقط رغبة قوية في كتابة رواية. لم أكن أعرف عن ماذا سأكتب, كنت أملك فقط إيماناً بقدرتي على الإتيان بكتابة مقنعة” (اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة 209).

يميل أكثر الناس إلى الشهرة أكثر من ميلهم إلى المجال الذي عن طريقه سينالونها. وأكثر مجال يستسهله البعض هو الكتابة, فعن طريقها يمكن أن ينال المرء صفة كاتب (قاص, شاعر, روائي, إلخ). هؤلاء يحبون هذه الصفات الأدبية أكثر من حبهم أو ميلهم للأدب. والدليل الأبرز على ذلك هو سرعة نشرهم لكل ما يكتبونه, ثم تسولهم لعبارات المديح, ويصل بهم الأمر إلى إنكار وجود نقاد, إن لم يحظوا بالمديح اللائق بهم كـ(كُتاب) مبتدئين, فهم يريدون الوصول إلى القمة بأسرع وقت ممكن ولو عبر التسلق على أسماء تحظى ببعض الشهرة, وهذا ما يفعله بعض الكُتاب أو (النقاد) خصوصاً عندما يكتبون عن إناث يمارسن الكتابة مثلما يمارس مراهق العادة السرية!

يمكن تلخيص رسالة يوسا الأولى في سؤال: هل يمكن لأي إنسان أن يكون كاتباً؟

لا بد من توفر ميل طبيعي أو استعداد فطري لمجال معين من مجالات الحياة مثل الكتابة أو الفنون أو الرياضة, إلخ. ليس هذا وحسب, بل يوجد ميل أو استعداد فطري داخل كل مجال من المجالات السابقة, فهناك شعراء لا يمكنهم إلا أن يكتبوا الشعر.

واحدة من مشكلات الرواية اليمنية هي الكتابة بدافع الشهرة أو الهالة التي يصنعها لقب روائي, والأهم عدم امتلاك كثير من كُتابها لهذا الاستعداد. فما زال البعض يعتقد أن القصة تمرين لكتابة الرواية ويربطون الرواية بالنَّفَسِ الطويل غافلين عن العنصر الأهم وهو الميل الأدبي لكتابة هذا النوع.

مشكلة الرواية في اليمن أن الموهوبين غير ملتزمين, وعديمي الموهبة يكتبون روايات بلا روح.

وحتى لا يظن البعض أني ضد الكتابة, أقول أن العيب ليس في ممارسة الكتابة ولكن في استعجال النشر ثم الأهم في استعجال الشهرة من خلال استجداء المديح. خربش لكن حاول أن تحتفظ لنفسك بما تخربشه لأطول وقت ممكن, ولتُعد قراءة ما خربشته بعد زمن, فإن وجدتَه صالح للنشر فانشره. المشكلة إذن ليست في الخربشة, ولكن في اعتبار ما تخربشه عبقرية وإبداع يستحق الإطراء والمديح, وهذا ما يقوله لك يوسا بعبارة أخرى:

“لا وجود لروائيين مبكرين. فجميع الروائيين الكبار والرائعين, كانوا في أول أمرهم (مخربشين) متمرنين, وراحت موهبتهم تتشكل استناداً إلى المثابرة والاقتناع” (15)

الرسالة الثانية: الكاتوبليباس

تتحدث عن موضوعات الرواية أو المنبع الذي تصدر عنه القصص. يقول يوسا أن التجربة الشخصية للكاتب, الأشخاص والأحداث والظروف التي تركت أثراً فيه, هي الشرارة أو البذرة الأولى للحكايات, فلا وجود لاختراع كيميائي محض.

الكاتوبليباس حيوان خرافي يتغذى على نفسه بنفسه, وقد استعار يوسا هذا الحيوان في سياق حديثه عن نبش الروائي في تجربته الحياتية الخاصة بحثاً عن دعائم ومرتكزات لكي يبتكر قصصا جديدة.

أهم نقطة في هذه الرسالة هي أن “الروائي لا يختار موضوعاته بل هي التي تختاره” (19). ويؤكد هذه النقطة في سياق جوابه عن سؤال:

من هو الكاتب الأصيل/الحقيقي؟ وكيف يكون كاتباً حقيقيا أو أصيلاً؟

يجيب:

“الروائي الذي لا يكتب حول ذاك الذي يحثه ويطالبه في أعماقه, ويختار ببرود, شؤونا أو موضوعات بطريقة عقلانية, معتقدا أنه يتوصل بهذه الطريقة إلى النجاح بصورة أفضل, هو كاتب غير حقيقي. وسيكون في الغالب, بسبب ذلك, روائيا سيئا, (حتى لو حقق النجاح, فقوائم أكثر الكتب مبيعاً تغص بروائيين سيئين جدا). يبدو لي من الصعب, أن يتوصل الكائن نفسه, إلى أن يكون مبدعاً, ما لم يكتب مدفوعاً ومتغذيا على تلك الأشباح والشياطين التي جعلت منا نحن الروائيين, ملاحظين جوهريين, وبناة للحياة في التخيلات التي نختلقها” 24

يؤكد يوسا على أن الموضوع لا يمكن له أن يكون سيئا أو جيدا في الأدب, فالأمر لا يعتمد على الموضوع ولكن على ما يتحول إليه على يد أو خيال الروائي.

تعليقي:

واحدة من مشكلات الرواية (اليمنية) هي اختيار الكاتب لموضوعات, لافتة ومثيرة, بطريقة عقلانية وواعية ومقصودة, مما يجعل الموضوع يحتل المرتبة الأولى في ذهنه, فتبهت الشخصيات والأفكار وبقية عناصر الرواية ويبقى الموضوع هو الأكثر حضوراً. السبب في ذلك أن الروائي يقود موضوعاته ويتحكم بشخصياته, في حين ينبغي أن يكون الموضوع والشخصيات هي القائدة والموجهة. لا عيب في اختيار الموضوعات, إن استطعت أن تحافظ على هذه المعادلة.

الرواية/الكتابة عملية تحرر من موضوعات أو شخصيات تلاحق الكاتب, وحين يكتبها يتحرر منها. وإذا كان الواقع هو نقطة انطلاق الكتابة فإن الحياة, وليس الواقع, هي نقطة الوصول, وبذلك تكون الكتابة هروبا من الواقع وتمردا على الحياة المعيشة بحياة متخيلة.

الرسالة الثالثة: القدرة على الإقناع

يتحدث فيها يوسا عن شكل الرواية, ويقول بأن الجدل الدائر بين الشكل والمحتوى, أو الموضوع والأسلوب والنسق السردي, هو “أمر مصطنع, ولا يُقبل به إلا لأسباب توضيحية وتحليلية, وهو لا يتبدى مطلقاً في الواقع. فما ترويه الرواية لا يمكن فصله عن الطريقة التي روي بها. وهذه الطريقة هي ما يحدد كون القصة قابلة للتصديق أو غير قابلة للتصديق, سلسلة أو خرقاء, مضحكة أو مأساوية.” 27 – 28

الفصل بين الشكل والمضمون لا يحدث أبداً, كما يقول يسوا: “على الأقل في الروايات الجيدة… حيث ما ترويه تلك الروايات, والطريقة التي تروى بها, يشكلان وحدة لا يمكن فصم عراها. وهي جيدة لأنها تزودت, بفضل فعالية شكلها, بقوة إقناع لا تقاوم”.  أما في الروايات الرديئة” فيمكن الفصل بين الشكل والمضمون “ولهذا السبب هي رديئة” 28

والمثال الأبرز الذي اختاره يوسا هو رواية (المسخ) لكافكا. كيف أن موضوعها الغرائبي, عن تحول موظف متواضع إلى صرصار, غير قابل للتصديق فكيف بالإقناع, لكن روعة السرد, أو الطريقة التي رويت بها القصة, تُقنع القارئ بذلك التحول.

آلية الإقناع لا تحدث بمطابقة أو بمقارنة الواقع الحقيقي بالواقع المتخيل, ولكن بآلية داخلية تشعر معها بأن الرواية مكتفية بذاتها “وبأنها قد اُعتقت عن الواقع الواقعي, وأنها تتضمن في ذاتها, كل ما تحتاج إليه لكي تحيا… عندئذ تتمكن من إغواء قارئيها وجعلهم يصدقون ما ترويه لهم” إلى درجة تجعلهم يعيشون ذلك الواقع المتخيل وكأنه واقع حقيقي. 29

الرواية الرديئة تفتقر إلى قوة الإقناع, لذلك “لا تقنعنا بحقيقة الكذبة التي ترويها لنا.. فتظهر لنا تلك الكذبة على حقيقتها, مجرد كذبة, خدعة, بدعة تعسفية وبلا حياة خاصة بها. تتحرك بتثاقل وخراقة مثل دمى محرك سيء. وتظهر الخيوط التي يحركها بها خالقها واضحة للعيان…” 30

مم يتألف شكل الرواية؟

“الشكل يتألف من عنصرين على درجة متساوية من الأهمية… : إنهما الأسلوب و النسق. الأول يتعلق بالكلمات, بالبناء الذي تُروى به القصة. والثاني, بتنظيم المواد التي تتألف منها القصة. وهو أمر, بتبسيط شديد, له علاقة بالمحاور الكبرى لأي بناء روائي: الراوي, والمكان, والزمان القصصي.” 31-32 (وهذه محاور سيتم تفصيلها في رسائل قادمة)

تعليقي:

تُختزل الرواية في الأخير إلى كلمة واحدة هي (الإقناع), والإقناع يلزمه التصديق, والتصديق يقوم على ما يطلق عليه أمبرتو إيكو, في مكان آخر, بالتواطؤ على الكذب, وهو تواطؤ مشترك بين السارد والقارئ. والتواطؤ لا يعني أن القارئ مضطر لتصديق الكذبة ولكن قوة الإقناع جعلته يصدق الكذبة مع علمه بأنها كذبة.

 كما يمكن أن تُختزل الرواية إلى سؤال وحيد, سبق لفيديريكو فيلليني أن طرحه في سياق سينمائي ويصلح أن يُطرح في أي سياق فني أو إبداعي, ذاك السؤال هو: هل يتصف بالحياة أم لا؟ (ش شاندلر: أنا فيلليني, 325).

الرسالة الرابعة: الأسلوب

يربط يوسا الرسالة السابقة عن الإقناع بالأسلوب قائلاً, إن “طريقة الروائي في اختيار المفردات وصياغتها وترتيبها, هي عامل حاسم في جعل قصصه تمتلك قوة الإقناع أو تفتقر إليها” 33

ليس مهماً أن يكون الأسلوب سليما أو غير سليم, لا يوجد قواعد أسلوبية ولا يشترط الالتزام بالقواعد النحوية,  المهم هو الغاية من الأسلوب وهو خلق حياة ونفخ الروح فيها. ويضرب أمثلة لكُتاب مشهورين التزموا بالقواعد الأكاديمية وآخرون لم يفعلوا, “وكان أسلوبهم يغص بالأخطاء من وجهة النظر الأكاديمية, ولم يمنعهم ذلك من أن يكونوا روائيين ممتازين” 34

ويجيب عن السؤال:

علامَ تعتمد فعالية الكتابة الروائية؟ 34

“تعتمد على خصيصتين اثنتين: تماسكها الداخلي, وطابعها كضرورة لازمة”. ويقصد بالتماسك الداخلي, تماسك اللغة, أما القصة فبإمكانها أن تكون غير متماسكة.

الضرورة اللازمة تعني عدم ترك ثغرة في القصة تتسرب منها الكذبة فتفشل في الإقناع, وتحدث هذه الثغرة عند وجود ازدواجية بين القصة واللغة التي ترويها, مما يجعل القارئ يشعر أن هناك طريقة أخرى أو أسلوب آخر لسرد تلك القصة. وحين يتدخل القارئ في عمل الروائي على هذا النحو فهذا إعلان بإخفاق الرواية. في المقابل, تنجح الرواية حين يشعر القارئ أن القصة لم يكن بالإمكان روايتها إلا بالطريقة التي رواها بها كاتبها.

النصيحة التي يوجهها يوسا للروائيين الشباب هي: ابحث عن أسلوبك الخاص, ولا تحاول أن تقلد, فالأسلوب المقلد عرضة للموت ولو كان طبق الأصل عن أسلوب كاتب عظيم مثل ماركيز.

تعليقي:

يقال بأن لكل كاتب أسلوب يميزه عن غيره, وهذا صحيح, لكن لا يعني هذا أن أسلوب روائي ما سيتكرر في كل أعماله. كل رواية تفرض أسلوبها, وهذا ما أدركه كتاب كثيرون منهم ماركيز الذي لم يكتب (خريف البطريرك) بنفس الأسلوب الذي كتب بها (مائة عام من العزلة).

الأسلوب عربة أو وسيلة نقل, وأنت تحرص في سفرك على أن تختار وسيلة نقل مريحة, خصوصاً إذا كنت تملك المال الكافي, وهناك من الأساليب المريحة ما يشبه وسائل النقل الفخمة, وهناك أساليب غير مريحة, لكن الهدف في رحلة القراءة يختلف عنه في الرحلة بين مدينتين أو بلدين, في رحلة القراءة يكون الهدف خلق حياة ولو عبر التضحية بموت كل ركاب الرواية! أما رحلتك بين نقطتين فأنت تهتم بالطريق وبالوصول سالماً.

بعض الأحكام المجحفة في حق الروايات تأتي من الخلط بين أسلوب الكاتب, في رواية ما, الذي قد لا يكون جذاباً, وبين الحياة التي تمكنت من نفخها فيها. ولذلك قلتُ أنه من غير الصائب الحكم على رواية دون إكمال قراءتها حتى النهاية ودون أن تضبط إيقاعك النفسي مع إيقاعها السردي أو الأسلوبي.

أتذكر في هذا السياق رواية (خريف البطريرك) وكيف أني وأنا في بداية العشرينات من عمري لم أكمل قراءتها, وعندما عدت لها بعد سنوات استمتعت بقراءتها كثيراً. وكذلك رواية (الحارس في حقل الشوفان) التي لا تستمد أهميتها من أسلوبها (الرتيب) ولكن من الحياة التي خلقتها فيها, وهي حياة مملة, والأهم هو تماسك أسلوبها الممل مع الحياة المملة, والهدف تماهي القارئ مع حياة هولدن الرتيبة, وهو ما دعا كثير من الأمريكيين إلى الخروج معلنين تعبيرا عن رفضهم أنهم هولدن كولدفيلد…

وجود ثغرة في الرواية يتنبه إليها القارئ وتؤدي إلى فشل الإقناع يسميه هنري جيمس, في مقال له بعنوان (درس بلزاك), بخطأ “عدم التشبع”, وهو خطأ جسيم لا ينبغي لكاتب أو فنان حقيقي أن يقترفه “فعندما يفشل في التشبع, فلن يجدي وجود أي شيء آخر نفعاً. وعلى العكس من ذلك, عندما ينشط التشبع فلا يمكن لأي فشل يصيب طريقة التنفيذ أن يتدخل بشكل قاتل”. ويقصد جيمس بهذا النوع غير القاتل من الأخطاء (أخطاء في التنفيذ) أو (أخطاء في الصياغة) وهي “حوادث تقع أثناء عملية التنفيذ ولا تنتمي قط إلى ذلك الخطأ الذي يوجد في الفنان, في الروائي بالذات, والتي تبلغ حد إهدار كرامته وهو عدم التشبع بالفكرة” (نظرية الرواية في الأدب الإنجليزي الحديث, الهيئة المصرية العامة للتأليف طبعة 1971, ص 136).

الرسالة الخامسة: الراوي – المكان

يتحدث يوسا في هذه الرسالة عن علاقة الراوي بالمكان, ولا يقصد بالمكان هنا مكان الأحداث ولكن مكان الراوي من المروي/القصة. ويتحدث عن التحديات التي يواجهها كل من يكتب قصة/رواية ويحصرها في أربع مجموعات كبيرة:

  1. الراوي
  2. المكان
  3. الزمان
  4. مستوى الواقع

الراوي أهم شخصية, فعليه تعتمد كل الشخصيات الأخرى. ويصحح يوسا سوء فهم خطير وهو أن البعض يطابقون بين الراوي/السارد وبين الروائي أو مؤلف الرواية, وهذا خطأ يرتكبه القراء وكثير من الروائيين الذين يعتقدون أن استعمال ضمير المتكلم وسيرتهم الذاتية, سيجعل منهم رواة لقصصهم. الراوي “كائن مصنوع من كلمات… يكشف عن نفسه أو يختفي, يتباطأ أو يتسارع, يكون صريحاً أو مداوراً, ثرثاراً أو قليل الكلام, لعوباً أو جدياً, … وسلوك الراوي مهم من أجل التماسك الداخلي للقصة” 44 – 45

المشكلة التي يتوجب على مؤلف الرواية أن يحلها هي في اختيار الراوي:

“من الذي سيروي الرواية؟” 45

وتنحصر الخيارات, بحسب يوسا, في ثلاثة:

  1. راوٍ – شخصية في القصة أو أكثر أو كل الشخصيات
  2. راوٍ – عليم بكل شيء (كلّي المعرفة) خارجي وغير منتم إلى القصة التي يرويها.
  3. راوٍ – ملتبس لا يُعرف عنه إذا ما كان يروي من داخل العالم المروي, أم من خارجه

بطريقة أخرى يمكن معرفة نوع الراوي من استعمال الضمائر: (أنا المتكلم – هو الغائب – أنت المخاطب)

“فالضمير النحوي الذي يتكلم من خلاله الراوي, يطلعنا على الموضع الذي يشغله الراوي في علاقته بالمكان الذي تدور فيه القصة” 45

وهو يفعل ذلك إما باستعمال ضمير المتكلم – أنا, وهذا يعني أنه داخل القصة (يروي القصة من الأرض), أو باستعمال ضمير الغائب (هو), وهذا يعني أنه خارج المكان المروي, (راوٍ عليم) (يرى بعينيّ الصقر, من السماء).

أما ضمير المخاطب (أنت) فمختلف, قد يكون راويا عليما, يوجه الأوامر, أو راوياً يخاطب ذاته باستعمال ضمير المخاطب (أنت) كوسيلة للبوح, أي أنه “راو شخصية فصامية بعض الشيء” 46, كما يمكن القفز من راوٍ إلى آخر أو من ضمير نحوي إلى آخر.

هل من الممكن أن يروي لنا القصة شخص كان قد مات فيها؟

يمكن للراوي أن يروي القصة مما وراء الموت, لكنها ستكون قصة فانتازية (غرائبية/عجائبية). وهناك حالات يكون الراوي فيها قد مات في أحداثها, مثل شخصية اسماعيل في (موبي ديك), لكن ملفيل “يجعل اسماعيل ينبعث حياً (بمعجزة) وهي حادثة نعلم بها في تذييل ملحق بالقصة. وهذا الملحق لا يكتبه اسماعيل نفسه, وإنما راوٍ كليّ المعرفة” 49

يصعب أحياناً تحديد الراوي حين يكون باستعمال الضمير (نحن) كما في رواية (مدام بوفاري) كما في المقطع “كنا في غرفة الدرس عندما دخل المدير وكان يتبعه تلميذ جديد…” 51

هناك نظرية لفلوبير حول (موضوعية) الراوي, أي أن يظل مخفيا غير مرئي, وأن لا يتدخل فيما يرويه بالتعليق أو بالتفسير أو إصدار الأحكام.

ما يميز الرواية الحديثة عن الكلاسيكية والرومانسية هو أن الراوي “في الرواية الحديثة يكون غير مرئي عادة, أو متكتم. أما في تلك فهو حضور بارز بل طاغ في بعض الأحيان, حتى أنه يبدو أنه يروي نفسه, ويستخدم في بعض الأحيان, ما يرويه كذريعة لتهالكه المفرط في استعراض نفسه” 53, مثل جان فالجان في رواية (البؤساء).

“من النادر, بل من المستحيل, أن يكون في الرواية راو واحد. فالشائع هو وجود عدة رواة, سلسلة من الرواة يتناوبون على رواية القصة لنا من منظورات مختلفة” 56 – 57

بقدر ما يظل الراوي مختفيا بقدر ما تنجح الرواية في الإقناع.

تقنية تعدد الرواة يجب أن تكون مسوغة وتخدم الرواية, فهي سلاح ذو حدين, قد تسهم في إبعاد الملل والرتابة وتضفي حيوية على الرواية, “تغني القصة, تكثفها, تصقلها, تلفها بالأسرار, بالغموض, وتمنحها إسقاطات عديدة, ويمكن لها أيضاً أن تخنقها إذا ما جاءت هذه الاستعراضية التقنية (مدعية التقنية في هذه الحالة) غير مناسبة أو مجانية, أو مجرد تعقيدات مصطنعة أو تشويشات تدمر مصداقية القصة…” 58

تعليقي:

يمكن للراوي بضمير المتكلم أن يكون راوياً عليماً, حين يتحدث عن القصة ولا يشارك فيها, وهنا يكون راوٍ (شاهد عيان) أو (فضولي).

كما يمكن أن يكون الضمير (هو) راوٍ غير عليم, حين يكون أحد شخوص القصة ويحكي عن شخصية أو شخصيات أخرى, هو في هذه الحالة راوٍ (نمام/مغتاب).

يمكن للراوي أن يكون حيوانا, كالكلبة هندة في رواية (طائر أزرق يحلق معي) للمغربي يوسف فاضل. تميزت هذه الرواية بتعدد الأصوات/الرواة حيث تروي كل شخصية نفس الحدث من منظورها الخاص, حتى الكلبة لها رأي ومنظور خاص بها تروي به الأحداث. وتعدد الرواة تقنية استعملها فوكنر في روايته (بينما أرقد محتضرة As I lay dying) 1930, والتي تحولت إلى فيلم سينمائي 2013, فالرواة هم كل أفراد أسرة بندرين.

يمكن أن يتدخل الروائي في مهمة الراوي, كما في رواية (منفستو الديك النوبي) لعبدالعزيز بركة ساكن, كما يمكن للروائي أن يشتبك مع شخصياته, فتخاطب الشخصيات  مؤلفها, كما في رواية (مخيلة الخندريس) لعبدالعزيز بركة ساكن, وكما في رواية (عالم صوفي) لجوستن جاردر.

واحدة من مشكلات الرواية اليمنية هي جهل أغلب الروائيين بتقنيات السرد وعلاقة الراوي بالمكان, فهناك روايات تعتمد على راو واحد! وهناك رواية, لكاتبة يمنية شابة, الراوية فيها امرأة ماتت وتركت أوراق القصة التي كتبتها, يعثر أخوها على الأوراق ويقوم بإحراقها! ولا تختتم الرواية بمخرج منطقي يعلل به الكيفية التي وجدت الرواية طريقها للقارئ, كما فعل ملفيل في موبي ديك!

الرسالة السادسة: الزمن

الزمن, في السرد, ابتكار شكلي تجري فيه القصة بطريقة غير مطابقة لما هو عليه الحال في الحياة الواقعية.

يميز يوسا بين ثلاثة أزمنة:

  • الزمن التسلسلي (الكرونولوجي) الذي نعيشه كُتّاباً وقراءً في الواقع.
  • الزمن النفسي, الذي “نعيه بمقتضى ما نفعله وما لا نفعله”60, وهو يطول أو يقصر بحسب استمتاعنا أو عدم استمتاعنا بالوقت الذي نقضيه.
  • والزمن التخيلي (زمن السرد) الذي نقرأه. وهو زمن “مشيد انطلاقاً من الزمن النفسي, وليس المتسلسل.

الزمن في الرواية هو العلاقة بين زمن الراوي وزمن ما يروىه. وله ثلاثة احتمالات, مع إمكانية تنوع الحالات مع كل احتمال, وهذه الحالات محددة بالفعل النحوي الذي تُروى به القصة:

  1. حالة التطابق بين زمن الراوي وزمن ما يروى, ويكون زمناً واحداً هو الزمن المضارع. (القصة تجري بينما الراوي يرويها لنا.)
  2. أن يروي الراوي انطلاقاً من الماضي أحداثاً تجري في الحاضر أو المستقبل. (القصة لم تحدث بعد)
  3. أن يتموضع الراوي في الحاضر أو المستقبل ليروي أحداثاً حدثت في الماضي.

هناك حالات روائية يتم فيها إلغاء الزمن أو إيقافه كما في رواية جونتر جراس (طبل الصفيح). وحالات لتكثيف الزمن, في 24 ساعة, كما في رواية (أوليسيس) الضخمة لجيمس جويس.

ومن الضروري أن ينوع الراوي بين عدة أزمنة بشرط أن يكون هذا التنوع مبرراً وليس مجرد استعراض.

تعليقي:

لتوضيح العلاقة بين زمن القصة وزمن السرد لنفترض أن زمن القصة هو 1 – 2 – 3

يمكن لزمن السرد أن يتخذ الاحتمالات التالية:

3 – 2 – 1

3 – 1 – 2

2 – 1 – 3

2 – 3 – 1

1 – 3 – 2

الوقت الذي يستغرقه التنقل بين الأزمنة يقرره الكاتب, فقد يكثفه وقد يوسعه, فتكثيف الزمن تقنية هي ملك للجميع, خلافاً للأسلوب. ولمزيد من توضيح هذه النقطة:

زمن القصة, أو الزمن التاريخي, في رواية جان دوست (ثلاث خطوات إلى المشنقة) يستغرق حوالي سبعين عاماً هي عمر الشيخ سعيد, لكنه في زمن السرد يستغرق ثلاث خطوات فحسب. في كل خطوة يخطوها الشيخ سعيد نحو المشنقة يعود بالذاكرة إلى الوراء, وبهذه الطريقة نتعرف على حياة الشيخ بدءا من مولده وحتى وصوله إلى حبل المشنقة. الزمن هنا مكثف بالخطوات وليس بالوقت الذي تستغرقه كل خطوة. زمن السرد استغرق خطوات ثلاث, لكن زمن القصة استغرق عمراً بكامله, منذ ولادة الشيخ حتى لحظة إلقاء القبض عليه.

ولأن تكثيف الزمن السردي تقنية قديمة فقد سبق لأمبروس بيرس استعمالها في قصته (حادث على جسر نهر البومة). الزمن هنا أكثر تكثيفاً, وفيه يحكم على بيتون فاركهار بالإعدام شنقاً, فيتخيل بيتون انقطاع الحبل ونجاته من الرصاص وهروبه من مطارديه عبر الغابة حتى عودته إلى زوجته, وفي اللحظة التي يعانقها فيها يطبق عليه حبل المشنقة. وهكذا يكون الزمن الذي استغرقه السرد لحظة خاطفة حدثت فيها تلك الرؤيا. التقنية نفسها سنجدها في قصة شهيرة لبورخيس بعنوان (المعجزة السرية).

الرسالة السابعة: مستوى الواقع

على مستوى الممارسة, لا يتحرك التخييل إلا ضمن عدد محدود من مستويات الواقع, وأهم مستويين هما (الواقعي) و (الفنتازي). “نطلق صفة واقعي على كل شخص أو شيء أو حدث يمكن لنا التعرف عليه والتحقق منه من خلال تجربتنا الخاصة عن العالم, ونطلق صفة فنتازي على ما ليس كذلك, فصفة فنتازي تتضمن الكثير من المراتب المختلفة: السحري, الإعجازي, الخرافي, الأسطوري, إلخ” 74

“أصالة كاتب الأدب الفنتازي تكمن قبل كل شيء في الطريقة التي يُظهر بها مستوى الواقع في قصصه” 78

تعليقي:

مستوى الواقع في رواية (حشرات الذاكرة) لجمال حسن يدور في منحنى دائري: واقعي, وهمي, أسطوري, فنتازي, ثم واقعي. ومستوى الواقع في رواية (الواحد) لطلال قاسم يتخذ مسارا خطياً وصاعداً يبدأ بالوهمي ثم الواقعي ثم الأسطوري, وهو مسار يبدو كسهم ينطلق من حاضر (ابراهيم) إلى حاضر آخر (جاك) ثم إلى الماضي (آدم) ثم يصعد من الأرضي إلى السماوي,… وعلى نحو عكسي يتخذ مستوى الواقع في رواية (تقرير الهدهد) لحبيب سروري مسارا نازلاً من السماوي إلى الأرضي, وفيه ينزل أبي العلاء من ملكوت السماء إلى الأرض ليكتب تقريراً عنها…

الرسالة الثامنة: النقلات والقفزة النوعية

النقلات, هي الانتقال من زمان أو مكان أو واقع أو راو, إلى آخر. ولهذه النقلات فائدة شكلية أحياناً لتضفي الحيوية, أو ضرورة منطقية يفرضها عالم القصة وانتقاله من جو إلى آخر كما قد يؤدي الانتقال من راو إلى آخر للانتقال من تقنية إلى أخرى, إلخ. وتبقى القدرة على الإقناع هي المحددة لأي انتقال من هذا النوع.

تختلف النقلات باختلاف النظام السردي, فالنقلات التي تحدث داخل نظام سردي واقعي, أي من نظام سردي واقعي إلى آخر من النوع نفسه لا تبدل من جوهر أو طبيعة القصة. أما النقلات من نظام سردي واقعي إلى آخر فنتازي, فهي نقلات نوعية تؤدي إلى “تبدل كينونة النظام السردي” 90

مثل هذه النقلات توجد في رواية (السيرتاو الكبير: دروب) للبرازيلي جواو غيماريش روسا, ورواية فيرجينيا وولف (أورلاند), حيث تتبدل الشخصية الرئيسية على نحو مفاجئ من رجل إلى امرأة. ومن الروايات اليمنية رواية (حشرات الذاكرة) ورواية (الواحد) على سبيل المثال.

لا يوجد قانون لتنظيم هذه النقلات, فقد تتم ببطء أو قد تحدث فجأة, وما يحدد بطء أو سرعة النقلة هو أثرها على المتلقي وعلى سير أحداث القصة وعلى الإقناع.

الرسالة التاسعة: العلبة الصينية

هناك روايات تقوم على توليد القصص, من القصة الرئيسية إلى القصص الفرعية التي تتولد عنها. يستعير يوسا العلبة الصينية أو الدمية الروسية (ماتريوشكا) -وهي عبارة عن دمية تحتوي على دمى أصغر حجماً بداخلها- لتكون الدمية الرئيسية هي القصة الرئيسية والدمى الأصغر قصص فرعية أخرى متفرعة عنها. على القصص المتولدة من القصة الرئيسية أن تكون ذات علاقة وتسهم جميعها في الإقناع. وأن لا تكون آلية والنقلات من قصة إلى أخرى تتسم بالحيوية, ويستشهد يوسا بعدد من الروايات والقصص منها قصة ألف ليلة وليلة و دون كيخوتة.

الرسالة العاشرة: المعلومة المخبأة

يتحدث هنا عن تقنية روائية قديمة تتمثل في ثغرة إبداعية يتعمد الروائيون إحداثها في قصصهم لكي يستحثوا خيال القارئ لملئها بفرضياتهم وتخميناتهم.

ولكي لا يتعلل الرديؤون بهذه التقنية, يقول يوسا:

“المعلومة المخبأة, أو القص مع الإغفال, لا يمكن له أن يكون مجانياً ومتعسفاً. فمن الضروري أن يكون لصمت الراوي, مغزى ودلالة, وأن يمارس تأثيراً لا لبس فيه على القسم الصريح والواضح من القصة, بحيث يشعرنا ذلك الغياب بوجوده, ويحرض فضول القارئ وترقبه, وخياله.” 108

ثمة سرد معلن, يقرأه القارئ في السطور, وسرد صامت كامنٌ بين السطور: التلميحات والإيحاءات والإضمار. وهناك معلومات مخبأة مؤقتاً يتم الكشف عنها في مرحلة متأخرة من السرد.

تعليقي:

الرواية تمثال على الروائي أن ينحته ببراعة, لكن عليه أن لا يترك تمثاله البديع مكشوفاً, يمكن له أن يغطيه بقماش ويترك للقارئ مهمة تعريته!

الرسالة الحادية عشرة: الأواني المستطرقة

يقصد بالأواني المستطرقة دمج قصتين في رواية لـ “تضم شمل ثقافتين وزمنين مختلفين في وحدة سردية تؤدي إلى بروز واقع جديد, مختلف نوعياً عن المزج المحض لثقافتي الزمنين اللتين تنصهران في القصة.” 127

الرسالة الثانية عشرة: على سبيل الوداع

التقنية والشكل والخطاب والنص هي كل لا يتجزأ “وفصل الموضوع, أو الأسلوب, أو النسق, أو الرؤية, أو غيرها, هو بمثابة تحنيط لجسد حي, وتكون نتيجته على الدوام, حتى في أحسن الأحوال, ضرباً من القتل.” 129

يختتم يوسا رسائله قائلاً:

“لا يمكن لأحد أن يعلم أحداً الإبداع. وأقصى ما يمكن تعليمه هو القراءة والكتابة. وما تبقى يُعلِّمه المرء لنفسه بنفسه, وهو يتعثر, ويسقط وينهض دون توقف”. والسبب في استحالة تعليم الإبداع هو وجود عوامل حاسمة تحكمه مثل “الحدس, والحساسية, والتخمين, وحتى المصادفة, وهي عوامل تفلت دائماً من أكثر شباك البحث النقدي دقة” 130

وأخيرا يطلب يوسا من الراوي الشاب أن ينسى كل ما قرأه في هذا الكتاب, ويبدأ بكتابة الروايات. وهو بذلك يريد القول أن قراءة هذا الكتاب هي على سبيل العلم بالشيء. وأرى أن قراءة هذا الكتاب وغيره من الكتب النقدية مهم للغاية, فقد تصدر الرواية من عالم الغيب, كما تزعم إيزابيل الليندي, لكنها تحتاج إلى شمعة لتنير طريقها, مثلما تفعل الليندي كطقس من طقوس الكتابة.

اقتباسات

“كل رواية هي كذبة تحاول التظاهر بأنها حقيقة. إنها اختلاق تعتمد قوة الإقناع فيها على الاستخدام الفعال فقط, من جانب الروائي, لبعض التقنيات الإيهامية والشعوذة المشابهة لشعوذات سحرة السيرك والمسارح” 24

“أصالة كاتب الأدب الفنتازي تكمن قبل كل شيء في الطريقة التي يُظهر بها مستوى الواقع في قصصه” 78

تحميل الكتاب ترويض الكتب

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s