التمثيل والتخيل الإخباري في رواية اليهودي الحالي

j

رياض حمَّادي

“شُغلت رواية “اليهودي الحالي” لـ”علي المقري” بموضوع هُوية يهود اليمن, واعتمدت تمثيلاً سردياً يحاكي نهج الكتب الإخبارية” 16

“خيمت صيغ الكتب الإخبارية الشائعة في كتب الحوليات القديمة في معظم صفحات الرواية, لكنها استبدت بالسرد في قسمها الثاني” (*)

نظر البعض إلى ما كُتب أعلاه من زاوية النقد السلبي لرواية “اليهودي الحالي”, ولا أدري مبرراً لهذه النظرة! فلا الفقرات أعلاه توحي بذلك ولا عناوين البحث التي تؤكد على صفة “التجديد في السرد الخليجي المعاصر“, ثلاث مرات, مرتين بشكل مباشر في عنوان المحور العام السابق, ثم في العنوان الرئيسي “مظاهر التجديد السردي في الرواية العربية وشبه الجزيرة“, وبشكل غير مباشر في العنوان الفرعي “التمثيل السردي وتصدع الأبنية التقليدية” وكذلك في مدخل البحث ونتائجه الختامية!

إذا كان التمثيل السردي الذي اعتمدته رواية “اليهودي الحالي” تمثيل سردي تقليدي فلماذا يضع الكاتب هذا النموذج في بحث تؤكد عناوينه, مقدمته وخاتمته, على صفة التجديد ؟! 

ما كتبه الدكتور عبدالله إبراهيم, يدخل في باب الوصف أو التقرير, لكنه يعتبر التمثيل السردي الذي عنونه بـ”التمثيل والتخيل الإخباري” تجديداً, بدلالة عناوين البحث ثم من خلال مقارنته نماذج من السرد المعاصر, بالسرد التقليدي, في الروايات العربية الكلاسيكية, الذي يحتفي بالحكاية “ومداراة تسلسلها المنطقي الذي أخذ بالاعتبار التدرج المتتابع, وصولاً إلى نهاية تنحل فيها الأزمة, ويعاد التوازن المفقود إلى حاله الأولى.” (*35) وهو إذ يستعرض خصائص السرد في رواية “اليهودي الحالي” يعتبره تجديداً في السرد الذي “لا يُولي اهتماماً بالحكاية فحسب, إنما يولي اهتماماً بنفسه أيضاً” (*35)

بدأ الكاتب ببيان الهدف من بحثه بالقول: “لم تغب الطرائق الجديدة في التمثيل السردي عن الرواية العربية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة, وإن كانت تأخرت زمنياً عن نظائرها في البلاد العربية الأخرى. لكنها سرعان ما وجدت لها مكاناً واضحاً في تلك المدونة السردية, فوقعت الإفادة منها في الكتابة الروائية. ويتطلع هذا البحث إلى فحص بعض ضروب التمثيل السردي في نماذج دالة من الروايات التي ظهرت في تلك المنطقة خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.” (*10)

ويضيف في تفسيره الختامي, لنماذج الروايات التي استعرضها, قوله بأن الرواية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة قد أخذت “بالتقنيات السردية الجديدة, وبطرائق التمثيل السردي الحديثة وسيلة للخروج على النسق التقليدي الذي يقوم ببناء حكاية لا تنفصل عن السرد الذي يتولى تشكيلها, فبدأت تعرض تمثيلاً مغايراً لما كان السرد التقليدي يقدمه عن العالم, وقد رجحت العلاقات السردية بين الأحداث على العلاقات المنطقية فيها” (*35)

استبداد التمثيل السردي, المحاكي للكتب الإخبارية, في الرواية, وفي قسمها الأخير تحديداً, له ضرورته لانتهاء الحكاية الفردية وتتبع حكاية الجماعة والشعب. هذا من جهة, ومن جهة أخرى, هو أشاد – في استنتاجه الأخير – بالعلاقة الوطيدة التي تربط الجانبين السردي والحكائي, في الرواية العربية في منطقة الخليج وشبه الجزيرة, كما هو واضح في الاقتباس أعلاه.

وفي معرض التقييم – الإيجابي – للتمثيل السردي المحاكي لنهج الكتب الإخبارية, في رواية “اليهودي الحالي”, قال بأنه فتح بذلك “أفقاً للتخيل الإخباري في تشكيل مادتها السردية, ومن خلال ذلك جرى كشف العلاقات الشائكة بين الأغلبية الإسلامية والأقلية اليهودية في كثير من الأمور..” (*17)

خلاصة القول أن النماذج السردية التي عرضها الدكتور عبدالله ابراهيم, ومن ضمنها “اليهودي الحالي”, هي نماذج للتجديد لا للتقليد. هي نماذج للتجديد السردي في الرواية الخليجية وشبه الجزيرة في مقابل نموذج السرد التقليدي الذي لم يذكر له نماذج ممثلة واكتفى بوصف ملامحه العامة فقط. وعرضه لهذه النماذج التجديدية لا يعني خلو ساحة السرد من نماذج تقليدية. أما عن العوامل التي أسهمت في هذا التجديد على مستوى التمثيل السردي فيعزوها إلى الظروف التي تشكل فيها السرد التقليدي مقارنة بظروف السرود الجديدة.

فقد ظهر السرد التقليدي “في حاضنة ثقافية مشبعة بالقيم المطلقة المدعومة بنسق منسجم من العلاقات الاجتماعية مع العالم, فيما تشكلت السرود الجديدة وسط عالم يفتقر إلى القيم الكلية, وقد ضربه الشك في صميمه وبذلك وقعت إعادة نظر في نوع العلاقة بين السرد والعوالم المرجعية, فأصبحت تلك العوالم غير ملهمة, إنما صارت طرائق تمثيلها هي الملهمة, فلم تبق المدونة السردية نصاً مغلقاً على ذاته, إنما انفتح على العالم, وعلى شئونه السردية, فقد أخلت أدوار المؤلفين بأدوار الرواة, وانطبع كل ذلك على صفحات السرد, وكثير من هذا وجدت له تجليات في الرواية العربية في الخليج وشبه الجزيرة.” (* 35)

من جهتي أرى بأن عنصر الحكاية التخييلي انتصر, في أهدافه, على التمثيل السردي التاريخي, من خلال إبرازه لقصص الحب الناجحة التي جمعت بين شباب من الطائفتين الإسلامية واليهودية, وفي تحديها للأعراف السائدة انتصار للمتحول على الثابت, ودعوة للحب ونبذ الكراهية وحث على التجديد ونبذ الماضي الظلامي, ودعوة لنبذ الهويات القاتلة والانصهار في هوية مشتركة على أساس من العلاقات الأسرية والاجتماعية والعاطفية الجديدة.

الرواية وهي تستعرض تاريخ الكراهية والأحقاد بين الطائفتين تدعو إلى تأسيس تاريخ جديد قائم على الحب وذلك من خلال قصص الحب التي تكللت بالزواج بين كل من فاطمة المسلمة وسالم اليهودي, وبين صبا اليهودية وعلي المسلم, ثم زواج سعيد – وهو من أم مسلمة (فاطمة) وأب يهودي (سالم) – بفتاة ليست مسلمة ولا يهودية, فهي يهودية لجهة الأم ومسلمة لجهة الأب, فأمها “صبا” ابنة أسعد اليهودي وأبوها “علي” ابن المؤذن صالح. جدير بالذكر أن “سعيد” كان قد تربى في بيت “صبا” و “علي” وقد قامت صبا بإرضاعه !

مشكلة الرواية اليمنية في أغلب النماذج, هي في سيادة الحكاية, وغياب البعد الفكري والفلسفي للأحداث والمواقف, ففي رواية “لعنة الواقف” لبسام شرف الدين – على سبيل المثال لا الحصر – والتي تتحدث عن سلطة الأموات على الأحياء, لا تسعفنا هرولة السرد الحكائي بوقفة فكرية لتأمل الموت وفلسفته. خلل آخر في كثير من الروايات هو اتخاذها طابع المسار المتصاعد والتسلسل التاريخي, أي ترتيب الأحداث في مسار خطي, ما يعني عدم استفادة الرواية اليمنية من تقنيات المونتاج السينمائي في القطع والوصل والوقف والومض, وعدم مزج الواقع بالخيال, والحلم باليقظة الذي يعد سمة من سمات الإبداع الحقيقي. وهنا, كمثال أيضاً, تخرج الروائية الدكتور نادية الكوكباني في روايتها “صنعائي” عن السلبيات السابقة لتقدم لنا رواية لا تعتمد المسار الخطي كما أنها تحوي قدراً من فلسفة المواقف والأحداث.

…….

(*) د. عبدالله إبراهيم: “التجديد في السرد الخليجي – مظاهر التجديد السردي في الرواية العربية وشبه الجزيرة, التمثيل السردي وتصدع الأبنية التقليدية. كتاب العربي, العدد 94, اكتوبر 2013

 تحميل الرواية 

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s