مسار الانحراف والتحريف 2

crossroad-signs

منشور في المصلح دوت نت 

ومترجم للإنجليزية ومنشور في المصلح دوت أورج

المهمة الثانية :

مثَّل الإسلام في بداياته ثورة ضد الظلم والفساد وشكل حركة تصحيحية للكثير من عادات المجتمع العربي . ” لكن ما بدأت به هذه الثورة في أول أمرها ليس كالذي انتهت إليه . إذ ما أن استتب الأمر للمسلمين وفتحوا البلدان والأمصار وانهالت عليهم الأموال من كل حدب وصوب حتى صاروا بحاجة لمن يثور عليهم ويصحح مسارهم . ” حدث هذا التفسخ في المجتمع الإسلامي بعد موت الرسول بمدة قصيرة ” فأبدلوا قيصرية بقيصرية أخرى وكسروية بكسروية أخرى . وبعد أن ترك محمد لأتباعه كلمة إلى جانب الدولة راح فريق ينشر الكلمة وآخر يوسع في الدولة ومع الأيام شغلتهم الدولة ونسوا الكلمة ” .

علاقة التناقض التي ميزت مصدري التشريع ألقت بظلها على مكارم الأخلاق فتشابكت العلاقات الأخلاقية وتداخلت في بعض أوجهها من ناحية مما أثر على مستوى انتشارها بين المسلمين وخلق تناقضات على مستوى السلوك . هذا فضلا عن أن مكارم الأخلاق الحميدة التي دعا إليها المصدرين – القرآن والسنة –  لم تجد طريقها إلى التطبيق من أغلبية المؤمنين بها على مر التاريخ الإسلامي وقد تضافرت عدة عوامل حالت دون هذا التطبيق لعل أهمها تدفق الأموال وحب الدنيا والانكباب على المصالح الخاصة دون العامة وغياب القدوة السياسية. تلك القدوة التي بدأت أول ما بدأت بهذا الانحراف الأخلاقي ثم التحريف بدءً من  مسلسل الصراع على السلطة السياسية والدينية والمستمر منذ موت الرسول وحتى هذه اللحظة.

لم يكن الرسول محمد يسعى إلى المثالية أو الكمال في مهمته الأخلاقية بينما نجد هذا الهدف حاضرا ومنشودا في مهمته التوحيدية. يعزز هذا القول الآية التي تكرر حضورها مرتين في سياق سورة واحدة هي النساء :   

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } النساء 48

{إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } النساء 116

هذا فضلا عن الأوصاف الشديدة المنفرة للشرك والتي وردت في كثير من الآيات منها :

{ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } الحج31

{ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } المائدة 72

سبب أو أسباب عدم حرص الرسول على المثالية أو الكمال في مهمته الأخلاقية هو وعيه بالطبيعة البشرية الخطاءة ” كلكم خطاء وخير الخطائين التوابون ” . ووعيه أكثر بطبيعة مجتمع مكة والمدينة وما حولهم من الأعراب . وبالرغم من حرص الرسول على المثالية والكمال في تبليغ عقيدة التوحيد إلا أن المهمة لم تنجح تمام النجاح :

{ الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } التوبة97

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } الحجرات14

{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } التوبة 101 

يضاف إلى ما سبق وعي الرسول بطبيعة التناقضات التي تصاحب الرسالات السماوية في تفاعلها مع الواقع المتغير والمعقد حيث يُفلح النص في التغلب على تلك التناقضات – بالحل – تارة ويتراجع تارةً أخرى أمام التصلب أو التعقيد الذي يكتنف بعض المشاكل أو الإشكاليات في وضعية تاريخية ومجتمعية معينة .

وهكذا عندما تأتي امرأة من الأنصار- حبيبة بنت زيد بن أبي هريرة – مع أبيها إلى الرسول تشكو زوجها – سعد بن الربيع – بسبب لطمه لها يهتف الرسول : ” القصاص القصاص . لتقتص من زوجها ” . ثم تنزل الآية ” { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء } النساء 34  فيتراجع الرسول قائلاً : ” أردنا أمراً وأراد الله غيره ” . والصحيح أن الرسول أراد أمراً منفتحاً عادلاً ومساوياً بين الرجل والمرأة  وأراد الواقع المعقد آنذاك أو الثقافة الذكورية الأبوية الطاغية وقتها أمراً مخالفاً له في القيم . وهنا لا لوم على النص – قرآن وسنة – كما لا لوم على الواقع المعاش وقتها فقد كانت المرجعية للواقع يفرض ما يريده وضد رغبة أو إرادة الرسول . اللوم ينصب على أولئك الذين يعيشون في عصرنا ويريدون تثبيت ذلك الواقع عند لحظات تاريخية بعينها وحالات ظرفية محكومة بسياق تاريخي معقد وثقافة منغلقة . وهم بذلك يريدون لهذه الحالات الظرفية أن تظل حكما أبدياً لكل زمان ومكان .

مع ذلك لا يمكن اعتماد هذه الأسباب كذرائع للتراجع الأخلاقي الذي شهده ويشهده العالم الإسلامي منذ وفاة الرسول . هذا التراجع الذي يأخذ طابع التردي الأخلاقي والسلوكي تارة ويأخذ طابع الاهتمام بالشكل على حساب المضمون , والمظهر على حساب الجوهر , والطقوس والعبادات على حساب ما وراءها من مضامين وأهداف جوهرية تارةً أخرى . كما تجلى هذا التراجع في تغييب الفلسفة والمذهب العقلاني وتصاعد التطرف وشيوع الأصولية وعدم تقبل الآخر إلى غيرها من مظاهر الظلام التي يتسم بها المشهد الإسلامي منذ قرون كقاعدة لها إضاءاتها القليلة .

مسار التحريف :

يفخر المسلمون بأن كتابهم المقدس – القرآن – لم يتعرض للتحريف ويعزون ذلك إلى جمعه المبكر خلافا للكتب السماوية السابقة. وهم هنا يقصدون بالتحريف تعرض النص المقدس إلى التغيير والتبديل والمحو والإضافة كتابةً . لكن بالإضافة إلى تلك الروايات التي تنطق بها بعض كتب الحديث والتي تشير إلى غياب آيات أو سور كاملة من المصحف الذي بين أيدي المسلمين اليوم مما يعني القول بالتحريف المباشر للنص القرآني فإن التحريف لا يكون فقط على مستوى التغيير والتبديل في النص المقدس فقط. فهناك تحريف يطال النص عن طريق تحريف مضمونه أو منهجه أو لي عنقه أو تثبيته وتجميده وجعله أسيراً للماضي . على ضوء هذا الفهم للانحراف والتحريف يمكن إجمال أو تلخيص التحريف الذي تعرض له النص القرآني على النحو التالي :

 تحريف على مستوى النص :

وتمثل هذا التحريف – كانقلاب ثانٍ – بابتكار آيات قرآنية ” نُسخ رسمها وبقي حكمها أو حُذفت تلاوتها وبقى حكمها  ” كآية ” الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة ” . هذه الآية تحظى بالقبول وتُتخذ كدليل من قبل كثير من علماء الفقه الإسلامي حين يريدون بها إثبات وجود حكم قرآني لرجم الزاني والزانية المحصنين . كما تمثل التحريف بمحاولات التشكيك في صحة القرآن الذي يحتويه المصحف اليوم وذلك بوضع أحاديث على لسان عائشة وغيرها في كتب الصحاح تفيد بتغير عدد آيات بعض السور زيادة أو نقصانا عما كانت عليه أيام الرسول وبغياب سور كاملة منه. وروايات تشكك في دقة جمع القرآن في مصحف عثمان واختلاف المصاحف التي كانت متداولة وقتها.

تحريف على مستوى التفسير أو التأويل :

وقد تمثل في تحريف المنهج القرآني المرن من منهج يعطي الأولوية والمرجعية للواقع المتغير إلى منهج يعطي المرجعية للواقع المتحجر أو يعطي الأولوية للنص ذاته جرياً وراء مبدأ ” العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب “. ومن نص يضرب أمثلة لحالات متغيرة إلى نص يُثَبِّت تلك الحالات ويقدسها . ومن نص يهدف إلى مصلحة الإنسان وحل مشاكله إلى ” نص من أجل النص ” أو نص يخدم ذاته .

تحريف على مستوى المعارضة والمماثلة والمجاوزة  :

وذلك بإيجاد نص أو نصوص بديلة تمثلت في كتب الحديث مهمتها تحقيق أو فرض بعض الرغبات والعادات وتقديمها على أحكام القرآن التي لا يرضى عنها الخاصة من الناس  أو الفقهاء أو الحكام المستبدون . مثال على ذلك تحريف حكم الزنى القرآني القاضي بالجلد سواء كان بكرا أو محصناً – أعزب أو متزوج – واستبداله بحكم آخر يفرق بين الحالتين ويقضي بالجلد للبكر – والتغريب – والرجم حتى الموت للمحصن أو المحصنة . وكذا ابتكار حكم للمرتد هو ” التوبة أو القتل ” في حين لا يوجد حكم للردة في القرآن يقضي بذلك وإنما يُرجع أمر المرتد إلى الله في كثير من الآيات . والأمثلة على هذا النوع من التحريف كثيرة ولا يتسع المقام لبيانها.

كمثال مقتضب يفضح هذا النوع من التحريف ويدل على ازدواجية العقل الديني المغيب للعقل هو حكم الزنى. فقد جاء الحكم أولاً بإمساك من يثبت عليهن الزنى في البيت حتى يجعل الله لهن مخرجا  بشرط شهادة أربعة شهود . ( سورة النساء 15 )

ثم جاء الخلاص أو المخرج – المشار إليه في الآية السابقة – في الآية 2 من سورة النور القاضي بالجلد فقط – مائة جلدة – كما سبق وأن بينا . وللزنى حكمين فيما يتعلق بالنساء : حكم بالجلد المبين في سورة النور وهو خاص بالنساء الحرائر دون الإماء المملوكات حيث لهن حكم خاص بهن تبينه سورة النساء آية 25 ( فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ) . نفهم من الآية أن حكم زنى الإماء المحصنات هو” نصف ما على المحصنات ” الحرائر , أي خمسون جلدة . غياب العقل يتمثل في عدم إجراء مقارنة بين حكم زنى الحرائر من النساء – المبين في سورة النور – وبين زنى الإماء المحصنات والقاضي بنصف عقوبة زنى الحرائر . وهنا نعيد طرح سؤال العقل على مسامع فقهاء النقل : إذا كان حكم زنى المحصنات الحرائر هو الرجم حتى الموت فما هو نصف الموت الذي ستعاقب به المحصنات من الإماء ؟! “

وجه آخر للتحريف يظهر في الصورة السائدة النمطية المشوهة التي تظهر في وسائل الإعلام الغربية عن الإسلام والمسلمين فجزء كبير منها يتحمله المسلمون على مدار التاريخ سواء على مستوى النصوص التراثية أو الفتاوى المعاصرة أو على مستوى الفعل والسلوك . هذا التشويه نصا وفعلا لمسار الإسلام يحتاج إلى معالجة خاصة عن قرب لنعرف أن فيلم ” براءة الإسلام ” والرسوم الكاريكاتورية والتي تصنف على أنها مسيئة للإسلام والمسلمين ما هي إلا نقل أو تجسيد لواقع النصوص والسلوكيات الإسلامية . ولنا عودة لهذه النقطة في موضوع مستقل .  

ازدواجية العقل الديني وتناقضه والانغلاق اللاهوتي الذي لا نزال نتخبط في عتمته إلى اليوم، هو ثمرة انقلابين قديمين :” انقلاب سنّي” حوّل الرسول إلى أقنوم ثان يجاور الذات الإلهية بل ويجاوزها أحياناً، ما أفسد مبدأ التوحيد الربوبي الذي هو القصد والغاية. ثم “انقلاب قرآنيّ” بموجبه أصبح النص القرآني ذاته أقنوماً ثانيا أو ثالثاً ” .

أقل ما يمكن المطالبة به اليوم من إصلاح لمسار الانحراف والتحريف هو وضع مصدري التشريع – القرآن والسنة – على مقصلة المقارنة  بعرض الكتاب الثاني على الأول – وقد بُذلت جهود كثيرة في هذا الصدد منها كتابَي ” تدوين السنة ” و ” مشكلة الحديث ( السني والشيعي ) لكل من إبراهيم فوزي ويحي محمد ودراسات للمستشار محمد سعيد العشماوي والمفكر جورج طرابيشي وغيرها من الدراسات لأعلام الفكر المستنير  في عملية إصلاح تهدف إلى تعديل المسار الذي بدأه الرسول محمد – مما سيكون له دور إيجابي في تقويم مسار ازدواجية العقل الديني – وبالتالي استكمال مهمتيه التوحيدية والأخلاقية.

لا أريد من وراء هذا الاستعراض السريع لمسار الانحراف والتحريف القول بضرورة مفارقة المسلم حدود بشريته ليكون كائن لا تاريخي أو ملائكي فهذا القول بعيد عن تخطيط , طموح أو نوايا المسار الإسلامي نفسه في نسخته الأصلية كما تركها النبي محمد وكما بينا آنفاً . فحوى قولي هنا يبين باختصار ذلك البون الشاسع بين ما يؤمن به المسلم نظريا وما يفعله عمليا أو تطبيقا وسلوكاً , بين مضمون الكلمة الأخلاقي والعقائدي – التوحيدي – الذي تركه محمد وبين ما صارت إليه الأمة في هذين الاتجاهين .

اقرأ الجزء الأول في المدونة 

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s