Short Tall Color,portraits contemporary painting by artist David Larson Evans

عن الثابت والمتحول

ليس معروفاً- معرفة يقينية – متى بدأ الإنسان بالتساؤل . ما هو معروف اليوم , أن هناك الكثير من الإجابات المتراكمة لأسئلة بسيطة , وأن هناك إجابة واحدة ثابتة جامدة تدعي أنها يقينية , وتحاول أن تفرض نفسها على بقية الإجابات.

للجبال أسئلتها وللسماوات أجوبتها, والإجابات تختلف من حضارة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر بل ومن شخص إلى آخر في نفس المكان والزمان , حتى تصل إلى أن تكون مختلفة من ثانية إلى أخرى لنفس الشخص ذاته.

ولكن لماذا لا يتوقف الإنسان عن طرح السؤال ذاته أو الأسئلة ذاتها ؟

عدم اقتناع الإنسان بالإجابات يجعله يعاود طرح الأسئلة من جديد . أوليست هذه وظيفة الإنسان؟ لكن هل الجميع يمارس هذه الوظيفة – التفكير, أم أن هناك فئة من الناس معينة تمارسها ؟

أوليس الكون كبير وعظيم ومعقد وملغز جداً ؟ إذاً, التساؤل الدائم يتناسب مع حجم وتعقيد هذا الكون . وهذا هو الطبيعي , ما هو غير طبيعي هو الرضا  بإجابة واحدة ثابتة أزلية , وهذا ما تفرضه حالة ”  الإيمان “.

المؤمن شخص لا يعترف بالعالم , بالكون . بل أن إيمانه الثابت الجامد يصل به إلى حالة من عدم الاعتراف بالله , دون أن يعي ذلك .

الله, كما يصف ذاته , حالة من التغير الدائم حالة من عدم الثبات والاستقرار” كل يوم هو في شان ” , هذه الحالة  تتنافى تماماً مع حالة المؤمن الثابت. وإذا كان ” الإيمان ” حالة من اليقين , فلماذا ظل الطلب ” اعبد ربك حتى يأتيك اليقين ” ؟! يمكن تأويل ” اليقين ” على أنه” الموت ” ولكن التأويل الأقرب لليقين هو ” حالة الحقيقة المطلقة “. وهذه الحالة لا تتأتى إلى بالموت. وما ” العبادة ” إلا حالة من التفكير الدائم و ” الشك ” المتواصل , الذي يفضي إلى خلق إجابات غير مستقرة. أي أن الشك المعني هنا هو حالة من البناء والهدم حتى بلوغ الحالة اليقينية. تلك الحالة التي لا يستطيع ” الإيمان ” بلوغها لأنه حالة من التسليم الذي يعني التكلس والجمود والثبات .

العبادة الحقه هي الاستمرار في خلق الإجابات , دون الركون إلى أي إجابة إلا بعد البرهنة عليها والتأكد من صحتها عملياً . والركون عند إجابة محددة يعني الجمود إما على حالة الإيمان أو على حالة الإلحاد. فالإيمان والإلحاد ليسا وجهين لعملة واحدة فقط بل هما الشيء ذاته. وأن حالة أو منزلة بين المنزلتين هي حالة ” الشك أو اللا أدرية Agnosticism  ” هي الخيار الأكثر عقلانية.

لا يقصد بالشك في هذا المقام ” الشك الديكارتي ” لأن هذا الأخير شك مصطنع , مؤقت يهدف إلى الوصول إلى إجابات محددة ثابتة . وهو لا يقترب من ” الحدس ” في المنهج ” الفينومينولوجي” أو الظاهراتي . هو شك بالمعنى اللا أدري , الذي لا يعطي رأياً قاطعاً حول مسألة من المسائل الميتافيزيقية. فاللا أدرية هنا ليست اللا مبالاة أو عدم الاهتمام أو اللا جدوى . إنما هي شك إيجابي, ديناميكي منغمس كليةً في التساؤل, حتى لو حمل في نتائجه الأولية أو الثانوية نوعاً من عدم القطع أو البت فيها .

{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }الأحزاب72 .

إن السماوات والأرض والجبال لها إرادتها الحرة و وعيها الخاص الذي يمكنها من رفض الأمانة, فتنجو من الذم الإلهي  وتستحق بذلك صفات العدالة والعلم والمعرفة. خلافاً للسماوات والأرض والجبال يوصف الإنسان بأنه ” ظلوماً جهولا ” نتيجة لاختياره وقبوله تحمل الأمانة , وهو ظلوماً جهولاً لأنه أبى أن يسلك وفقاً لفطرته. فما هي هذه الأمانة ؟ لا يمكن أن تكون “العقل ” لأن الإنسان كان قد كرم بالعقل مسبقاً. استناداً إلى المدلول الحرفي للأمانة والتي هي جزء من منظومة اكبر منها هي الأخلاق نستنتج بان المراد بالأمانة هنا تعني ” الأخلاق ” . لا يقصد بالأمانة هنا القيمة الخلقية الحميدة وإنما هي رمز لمجموعة الأخلاق التي أفرزها الدين , فالأخلاق كمُثل وقيم وجدت قبل أن يكون الدين, يوم أن كان الإنسان ” في أحسن تقويم “.

والآية أعلاه تبين العلاقة بين عنصرين , عنصر ” ثابت ” هو ” الإنسان ” وعنصر ” متحول ” هي ” السماوات والأرض والجبال” .

{وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ }النمل88

الإنسان المؤمن هو الذي يرى هذه الحالة من الجمود نتيجة لتحمله الأمانة..بينما الحقيقة  هي أن الجبال في حالة من التغير والصيرورة والتبدل , مثلها تماماً مثل السحاب . والربط بين الآيتين واضح , فالسماء والجبال ما تزال تمارس دورها ووظيفتها من خلال رفضها للجمود والثبات .

{ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ }الإسراء44

لماذا لا تفقهون تسبيحهم ؟ لأنكم في حالة مناقضة أو معاكسة لحالة هذه الأشياء . فالأشياء في تبدل وتحول وصيرورة , في حالة من الشك , بينما أنتم تعانون من حالة من الجمود فرضها الرضا بالقليل والعمل بالتنزيل . ولذلك كان صعباً عليكم أن تفقهوا ” إيمان ” الجبال وإيمان السماء والسحاب والطير. لان إيمانهم الحقيقي يختلف عن إيمانكم المزيف .

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } يوسف103

 لماذا؟ وهل حقاً أن الأكثرية غير مؤمنة , رغم ما يعكسه الظاهر ؟ وهل يستدل من هذا أن حالة الإيمان تتساوى مع حالة الإلحاد ؟

ما يظهره الواقع هو أن الأغلبية مؤمنة بمعنى أنها تنضوي تحت ديانة  محددة أياً كان مسمى هذا الدين أو هذه العقيدة , بوذية , مسيحية , يهودية أو إسلام . ورغم أن الأكثرية مؤمنة إلا أن إيمانها إيمان ميكانيكي , آلي , وراثي .

كثيرة هي النصوص القرآنية التي تحارب هذا النوع من الإيمان . {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }البقرة170

هذه الآية تنبذ اتباع أفكار الآباء من حيث المبدأ وتؤسس  لمبدأ الفكر الذاتي .هي دعوة للتفكير , للتأمل , للشك , للتساؤل المستمر وليست دعوة للإيمان. دعوة لم يكن الهدف منها تأسيس حالة من الإيمان الثابت . وإنما تأسيس حالة من التمرد والثورة على القديم عندما يعرقل الحركة نحو الأمام .

” يولد الإنسان على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه ” حديث

{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }آل عمران67

 

الإنسان الفطري , المولود بالفطرة , هو ذلك المادة الخام , الذي لم يتأثر بعد بأي من العقائد أو الأفكار المسبقة , الشبيه بالجبال والسماوات والأرض . والمسلم الحنيف , هو ذلك الإنسان الفطري الذي لم يؤمن قط أو يركن إلى أي عقيدة أو دين , بل سلم أمره وانقاد لفطرته. لم يكن إبراهيم وحده من الحنفاء وإنما كان هناك الكثير منهم قبل الإسلام كانوا يسمون بالحنفاء.

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ , ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ }التين 4-5

 

 لقد كان الإنسان جميلاً, قبل أن يقبل الأمانة . وعندما بدأ محاولة البحث عن قوة علوية , فوق طبيعية , ومحاولة الاتصال بها والتي كان من نتائجها , مرور الإنسان بكل هذه الأشكال والطقوس العبادية , وإقامة منظومة خلقية تتنافي وتتعارض مع فطرته , حينها تحول الإنسان إلى أسفل سافلين .

{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }السجدة5

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }الحج47

علاقة أخرى زمنية بين الثابت ” الإنسان ” والمتحول ” الله ” .

” اقرأ ” طلب أو أمر كان المراد منه تحويل الإنسان من حالة ” الثابت ” إلى حالة ” المتحول ” . لكن الإنسان المصر على تحجره والقانع بوضعه , ابتكر نصاً موازياً ” ما أنا بقارئ ” . وذهب بعيداً , حينما ادعى أن رسول التحول , أمي , لا يقرأ ولا يكتب . وانتهى الإصرار على حالة الجمود والثبات بتكوين كتاب مواز للقرآن ” الحديث ” والذي أصبح في وقت لاحق في مرتبة موازية له وأحياناً متقدمة عليه . ثم تتابعت حالة الجمود بكتب التفسير والفقه والتي مهما أريد بها حينها , مازالت تؤسس لحالة الجمود . ومن كل هذا الخليط تكونت طبقة رجال الدين , الذين يقومون بمهمة لا تختلف كثيراً عن مهمة الكهنة والحاخامات.

أمام هذا الجدار يصطف مجموعة من الأفراد محاولين وضع أطروحات جديدة لهدمه  ,حاملين معاول العلم والفكر المتجدد . يمكن القول , وبكل ثقة , أن هذه المعاول قد أحدثت الكثير من الثغرات في هذا الجدار بحيث أصبح من المستطاع رؤية معالم الصورة على نحو أكثر وضوحاً . تلك الصورة التي حاول الكهنة والحاخامات والفقهاء إخفائها , لأن انكشافها يعنى تقاعدهم عن العمل المربح والمريح .

                                                            31/7/2006

2 comments on “عن الثابت والمتحول

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s