العودة إلى النص

بين سُلطة النص الأدبي وسُلطة النص الديني >>

كبسولة : الوسطية تكمن في النظر إلى أزمة الحاضر بعيون الحاضرين لا بعيون الموتى. >>

كبسولة: الدعوة لإنهاء القطيعة مع تراث البلاغة العربية مع عدم القطيعة مع حداثة الآخر, معادلة لا يمكن تحقيقها .>

 

دور العلمانية في بلورة نظريات النقد الحديث :

هناك علاقة ما تجمع أو تربط ما بين الحركات الأدبية النقدية الحديثة من جهة وبين سُلطة الدين أو الفكر الديني والأيديولوجيات, من جهة أخرى .

وجه العلاقة أن نظريات كالبنيوية والتفكيكية والتلقي وغيرها – المتهمة بأنها تدعوا إلى إلغاء أو نفي سلطة النص الأدبي – نشأت في جو علماني ضعفت أو تلاشت فيه العلاقة بين المفكر أو الناقد من جهة وبين الدين والإيديولوجيات من جهة أخرى . ظهور هذه الحركات النقدية في الغرب ” العلماني ” لم يكن ترفا ثقافيا أفرزه مجتمع الرفاهية والتقدم الصناعي والتقني فقط بل والأهم من ذلك, ضعف أو غياب سلطة الدين و رجاله  وهيمنتهم على الحياة الثقافية والفكرية الأوروبية والغربية. بمعنى ما هناك علاقة تأثير متبادلة بين الحداثة والعلمانية.

المفكر التابع والمفكر الحر :

ضعف أو قوة سلطة النص الديني والأيديولوجيات المختلفة, وقرب أو بعد المفكر أو الناقد من هذه السلطات هو الذي حدد موقفه من سلطة النص الأدبي تأكيدا لهذه السلطة أو التقليل من شأنها أو نفيا لوجودها . النظريات التي تمسكت أو أكدت على سلطة النص الأدبي , كنظريات النقد الثقافي ( الماركسية الجديدة والمادية الثقافية والتاريخية الجديدة ) أو كبعض النقاد المسلمين الذين طالبوا بالعودة إلى النص وسلطته, فعلوا ذلك بتأثير من سلطة النص الديني أو سلطة الإيديولوجيا . وهذا تأكيد إضافي على وجود نقاط التقاء وتشابه بين الأديان والإيديولوجيات في هيمنتها فكرياً على أتباعها.

المفكر الحر هو الذي حرم النص الأدبي من سلطته أو قلل من أهمية هذه السلطة. بينما المفكر المقيد بسلطة الدين أو الإيديولوجيا هو الذي يؤكد على مركزية سلطة هذا النص . لذا لن نتفاجأ إذا ما علمنا أن معظم المنتمين والداعين إلى الحداثة وما بعدها هم من العلمانيين . فالقرب أو البعد من سلطة الدين أو الإيديولوجيا لا يحدد فقط القرب أو البعد من هذين المجالين المعرفيين بل ويتعداه إلى مجالات معرفية فكرية وثقافية أخرى قد تبدوا بعيدة عن مجال سيطرتها أو سطوتها للوهلة الأولى .

الاستيراد الفكري :

ينقسم معظم المفكرين والنقاد العرب إلى تيارين رئيسيين, تيار الاستيراد الفكري من الغرب وتيار الاستيراد الفكري من الماضي أو التراث . وكلا التيارين رغم الصراع الذي يدور بينهما , يشتركان في منهجية واحدة هي الاستغراب – التوجه نحو الغرب أو الماضي . فكلاهما يمثلان غربة أو اغتراب عن الحاضر , رغم الاتهامات المتبادلة من قبل الطرفين. من اتهام التيار الأول للثاني بالجمود والتخلف واتهام التيار الثاني للأول بالتبعية العمياء للغرب والارتماء في أحضانه .

الناقدون لنظريات النقد الغربي وللمتبنين لها من أندادهم العرب, يدعون للخروج من تيه هذه النظريات بطرح البديل العربي المتمثل بالعودة إلى تراث البلاغة العربية في عصرها الذهبي كما يقولون . وهم يعتقدون بأن الخروج  من هذا التيه بالاستيراد من الماضي يختلف عن تبني هذا التيه  بالاستيراد الثقافي والفكري من الغرب. معللين ذلك بالخصوصية العربية .

بين خصوصية المحتوى وخصوصية الزمان :

هؤلاء النقاد يعترفون بوجود خصوصية ثقافية عربية تجعل من غير المناسب بل ومن الخطورة تبني أو استلهام قيم الحداثة الغربية. لكنهم يخطئون حين لا يعترفون بوجود خصوصية أخرى للزمان تجعل من غير المناسب أيضا تبني ثقافة وأفكار الماضي بغض النظر عن مدى صلاحية أو عدم صلاحية هذه الثقافة للزمن الحاضر . مع التأكيد أن خطورة استلهام الماضي أشد من خطورة استلهام الحداثة الغربية .

الوسطية الفكرية :

الوسطية عند هؤلاء تكمن في عدم الذهاب شرقا أو غربا يسارا أو يمينا وعدم الاتجاه نحو الليبرالية أو الاشتراكية , لا إلى التفكيكية ولا إلى النقد الجديد وقد يكون هذا صحيحا لكن هذه الوسطية لا تكتمل بالدعوة إلى الهجرة إلى الماضي, لأنها رحلة أو ردة لا تختلف عن الردة نحو الغرب . الوسطية الحقيقية هي التي لا تنظر إلى الغرب أو إلى الماضي, لا تبحث بين منتجات الآخر الغربي الأوروبي ولا بين منتجات الآخر الماضي عن فكر يخرجها من أزمتها الحضارية . الوسطية تكمن في النظر إلى أزمة الحاضر بعيون الحاضرين وعقولهم وأفكارهم للخروج بحلول معاصرة . لا يهم حينها أن تكون مطابقة أو متشابهة أو متقاربة مع الغرب أو مع الماضي فلا يمكن وصفها حينها بأنها أفكار مستوردة من الاتجاهين لأنها من إنتاج الحاضر .

الدعوة لإنهاء القطيعة مع تراث البلاغة العربية مع عدم القطيعة مع حداثة الآخر, معادلة لا يمكن تحقيقها . فالدعوة الأولى تعني تبني هذا التراث أو تطويره وإلا ماذا يعني عدم القطيعة معه ؟ والدعوة الثانية تعني إما تبني فكر هذا الآخر أو  اختيار ما يتناسب مع تراثنا. وفي كلا الحالتين لابد من الصدام خصوصا وهم يُقرُون بوجود خصوصية ثقافية عربية كما يزعمون . هذا يعني إما فكر الآخر أو تراثنا وكلاهما وسطية مُرة حتى بعد التنقيح. وهو قول غير مباشر بعجز العقل العربي المعاصر عن إنتاج أفكاره وثقافته الخاصة حيث لابد له من الاتكاء أو الاعتماد على الغرب أو الماضي. ( مع اعتقادي بأن الحداثة وما بعدها هي ثقافة إنسانية عالمية قبل أن تكون ثقافة غربية وإبداع الغرب لها لا يجعل منها ثقافة غربية مع ذلك لا ضير من إنتاج ثقافة محلية حاضرة لكنها لن تكون إلا حداثية طالما أنتجها إنسان معاصر حاضر وواقعي )

بين الابتكار والاستيراد :

مفكري الغرب ونقاده عندما يحاولون الخروج من مأزق حضاري أو ثقافي أو نقدي لا يلتفتون إلى الوراء أو يعودون إلى الماضي وتراثه للخروج بحل لهذا المأزق أو لتلك الأزمة – لا يمكن الاحتجاج هنا بأن الغرب ليس له ماضٍ – لكنهم يبدعون ويبتكرون نظريات من رحم واقعهم وحاضرهم حتى لو كانت نظريات تقود إلى التيه فهو تيههم الذي بدوره سيدفعهم للبحث عن بديل آخر معاصر بأفكار مفكريه المعاصرين. ولعل في هذا سر تقدمهم, فهم دائمي النظر إلى الأمام لا إلى الخلف كما نفعل نحن . عندما نستورد إما منهم وإما من الماضي .

ألا يمكن ونحن ننتقد نتاج الغرب النقدي أن نأتي ببديل معاصر من إنتاج العقل كما فعل ادوارد سعيد على سبيل المثال في محاولته الوصول إلى النص الأدبي الوسط الذي يجمع بين جماليات النص الأدبي والسياقات المختلفة المنتجة له . أو كما فعل الغرب أنفسهم عندما شعر بعض النقاد بتيههم النقدي فأوجدوا البدائل أو الحلول الوسط دون الرجوع إلى الماضي  .

لماذا نحتاج إلى الاستشهاد بالماضي والرجوع إليه للبحث عن حلول لمشاكلنا المعاصرة حتى لو كان في هذا الماضي مفتاح لحل اشكالياتنا ؟! وبماذا يختلف الناقد الأدبي المطالب أو الداعي للعودة للتراث للخروج من مأزقنا النقدي عن رجل الدين أو السلفي الذي يعلن نفس الدعوة للخروج من مأزقنا الحضاري ؟!

لا يمكننا أن نتقدم ونحن ننظر إلى الوراء . ليس لأن الوراء أو الماضي أو التراث بشع أو غير جميل بل لأن الفكرة في حد ذاتها غير صحيحة .

بين الفكر الإنساني والفكر العربي الإسلامي :

فلاسفة الغرب , مفكريهم ونقادهم , وهم ينحتون ويبتكرون نظريات نقدية في شتى علوم الفكر والفلسفة, لا يحيلون أو ينسبون هذه النظريات إلى الجغرافيا أو اللغة . التفكيكية والبنيوية والمادية الثقافية والتاريخية والنسوية وغيرها من النظريات النقدية لا تنسب إلى المكان أو اللغة أو الدين . بينما يتبارى (مفكري العرب) قوميين وإسلاميين , على إحالة ونسب كل معرفة جديدة أو قديمة محلية أو مستوردة إلى “العربية” أو “الإسلامية ” !

نقاد الغرب وهم يفعلون ذلك يقتربون من مفهوم الإنسانية والعالمية , فينظرون إلى الفكر والمعرفة من منظور إنساني وعالمي لذلك لا غرابة في أن تكون البنيوية على سبيل المثال ضد القومية أو أنها بشرت بالعلمية وبالعالمية. وهم بذلك يحققون مبدأ الوحدة الفكرية والعالمية والإنسانية دون شعارات . بينما مفكرينا يحتكرون المعرفة وكأنها ” علامة تجارية ” تخص العرب والمسلمين وحدهم , مخالفين بذلك ومتناقضين مع الشعارات التي يرفعونها عن الوحدة  والعالمية والأخوة الإنسانية والدين العالمي, إلى آخر تلك الشعارات.

24/6/2011

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s