http://www.flickr.com/photos/39137393@N03/4584085898/

إلدورادو المعنى – الكتابة بصوت مرتفع – اللغة / الصمت كلغة غير منطوقة

كبسولة : النيام لا يسرقون ولا يقتلون ولا يُضمرون الشر لأنهم لا يتكلمون . آر اتش

كبسولة : سرعان ما تتحول الجنة إلى جحيم عندما ننطق. آر اتش

” إن ما يجب أن نوليه الاهتمام, هو أن المتعة ممنوعة على الذي يتكلم, بوصفه متكلما , أو أيضا إن المتعة مما لا يمكن قوله إلا بين السطور … ” لاكان

” إن الذي يقول يمنع المتعة عن نفسه بقوله. أو إن الذي يتمتع يجعل, بالترابط , كل حرب – وكل قول ممكن – يتبخر في الإلغاء المطلق الذي يعمل على بيانه “. لوكلير

“إن الجديد لا يكون في تسع حالات من عشر سوى قالب مكرر عن الجدة “. رولان بارت

” إن الجديد ليشكل عند البالغ دائما شرط المتعة ” فرويد

“أنت تتكلم، إذن أنت تحاول أن تقول غير ما تقول، أن تقول غير نفسك، غير الأشياء التي تتحدث عنها.” عبدالله القصيمي

***

ماذا يعني أن توجد لغة تستطيع التعبير عن جميع أو كل المعاني ؟! معناه أن معين المعاني قد نضب ولم يبقى في بئر الدلالة شيء جديد . هذا يعني أننا نمضغ أو نجتر ما قيل ولكن بصيغ أخرى . لكننا لم نمت بعد رغم تصريحنا بأن المعاني قد شاخت وربما قد ماتت كلها مع أول شخص أو جماعة أو أمة عبرت عنها . إننا لا نقول شيئا وكل ادعاء غير هذا لن يكون سوى مكابرة . ولنخلق معان جديدة نحتاج إلى لغات جديدة, لغات لم تطأها بعد ألسنتنا أو إنسان جديد محايد. لكن ما قصة تلك المفردات الجديدة التي تدخل كل يوم إلى سوق الكلام ؟! يقال بأنها تعبر عن معان غير مطروقة من قبل. نحتاج إلى إنسان محايد لا يجيد لغة الإنسان الفانية ليحكم بيننا . لكن اللغة لا تتوقف على حال فهي تطورنا أو نتطور من خلالها في عملية تبادلية دائرية لا يكاد يرى دور الفاعل فيها والمفعول به .

كل المعاني التي لا نستطيع التعبير عنها, لم توجد بعد, هي بانتظار زائر جديد, ضيف لا يفقه هيكليتها ومضامينها يخطرف ويثغثغ ويهسهس ويسقسق ثم يمضي . اللغة تستخدمنا إذن رغم إدعاء العكس . اللغة تقوم بالدور المنوط بها . تعطينا على قدر حاجتنا . مطالبتنا بالمزيد لن يجعلها تذعن صاغرة لمطالبنا, فاللغة تعطي لمن لا يطلب .

تكون اللغة قادرة على العطاء زيادة عن الحاجة عندما نحرمها من وظيفتها التقليدية , إنتاج المعنى. فاللغة في حيز الوجود لا تريد التعبير عن هذا الوجود بقدر ما تريد الوجود في ذاته . أن لا توجد لتعبر ولا أن تعبر لتوجد. أن تكون, مجرد أن تكون يجعل منها لغة غير مستهلكة. أن تكون كأي كائن حي آخر لا يُشترط إصداره للأصوات والقيام بالحركات والإشارات – التعبير عن الوجود – لنعلم بوجوده أو لنتركه يوجد . فهو موجود رغما عن إرادتنا . لذلك تفر اللغة من الإرادة وتهب نفسها لمن لا يريد, ولمن لا يريدها على نحو أخص .

اللغة ليست تلك الأحرف, البنية والتراكيب والألفاظ , هذا هو شكلها الخارجي , ملبسها, والملابس لا تختصر الكائن الحي الذي يعشعش داخلها . عندما تحرقك اللغة وتطفئك تضيئك, تنيرك وتُظلمك تكون جسدا يقينيا, متصورا أنك تلتهمها وهي في الحقيقة تلتهمك قطعةً قطعة أو زردةً واحدة ثم تعيد لملمتك دون أن تنجز مهمة الصياغة الكاملة لهويتك هويتها .

لغة النص ترتب أولوياتها على هذا النحو : متعة/لذة ثم عقلانية . المعنى/ الدلالة مرحلة تالية, وسؤال اللغة ليس ماذا تقدم لي بل كيف تقدمه لي. وهذا السؤال لا يبدأ عند المُلقي بل عند المتلقي حيث يكون سؤاله الأهم ما الذي يفعله هذا النص /هذه اللغة بي ؟! اللغة لا تحاول أن تتجرد من المعنى لكنها لا تتغياها لذلك نحس بخواء المعنى وكأننا نبحث عن شيء نفيس مفقود أو أننا نطارد اليوتوبيا – إلدورادوا المعنى . هذا الفقد ربما نتاج تعقيد البسيط فاللغة تسعى جاهدة نحو البساطة بل هي البساطة البسيطة بعينها وما نفعله نحن مزيد من التعقيد حتى لتفشل في تنفيذ مهمتها البسيطة . نضع القلب مكان العقل والعقل مكان القلب ثم نضغط على زر التشغيل.

إننا نرصع المعنى البسيط بفائض من الأوصاف والزخرف, لماذا ؟! لأننا لا نرغب في بلوغ المعنى فقط بل وتجاوزه إلى مرحلة التثبيت . لكن كم من الوقت يلزمه للصمود؟! ألا يوجد للمعنى تاريخ صلاحية كبقية المنتجات الأخرى ؟! تقديس المعنى, تلك هي الإشكالية.

اللغة كالحبيبة لا تريدك أن تفكر بغيرها وأنت في حضرتها, تمنحك نفسها لتضاجعها لا طلبا للذة عابرة بل لمتعة سرمدية. تنزع ملابسها قطعةً قطعة, لا لتتلذذ بتأمل جسدها العاري فقط – وصولا لمرحلة الذروة – بل لتستمتع بتعريتها أبديا, وربما لن تعطيك – تلك العشيقة – فرصة تناول سيجارة ما بين ممارستين للحب, أو أن تترع كأسا من البيرة بين مناوشتين, فهي كغيرها تغار, والأهم من هذا أن متعتها -الأبدية- لا تقارن مع لذة تناول سيجارة/بيرة عابرة.

يمكن للألم أن يكون لذيذا وللذة أن تكون مؤلمة عندما تكون اللغة غضة مثل عضة مباغتة, لغة عذراء تستمتع بألم فقد بكارتها – دون أن تفقدها – في كل مرة يلج فيها الملقي والمتلقي قضيب دهشته, أسئلته. لذة مشتركة دون ادعاء أو ملل أو اجترار/تكرار , وإنه لملل وتكرار ممتع عندما تكون اللغة لوحة تشكيلية تحفظها عن ظهر قلب و تحتفظ بها معلقة على الجدار ولا تمل من رؤيتها كلما حدقت بها أو حدقت بك, ومن الذي يمل التحديق في امرأة مليحة ومثيرة للدهشة وللجدل في آن ؟!

لا بأس في البحث عن المعنى, فهذا جهد بشري محمود, وقد نتساهل مع من يدعي القبض عليه – نتيجة ذلك الجهد – لكن الخطورة تبدأ عندما يحرص هؤلاء المدعين في جعله حقيقة مقدسة بقوة السلاح, وهم لم يدفعوا ثمنا له, لكن دائما ما تكون المعاني المجانية وبالا .

أوليس الصمت لغة غير مكتوبة أو منطوقة . ما الذي سيحدث لو قررنا جميعا السكوت, الصمت, الإضراب عن الكلام ؟!

لن تتوقف حركة الأجرام في حين سيحُدُ الصمت من تزايد الإجرام . النيام لا يسرقون ولا يقتلون ولا يُضمرون الشر لأنهم لا يتكلمون- يمارسون وجود اللغة الإيجابي . لذلك لا معنى لجنة بحضور الكلام , إذ سرعان ما تتحول إلى جحيم آخر لأن وظيفة الكلام – اللغة في وجودها السلبي – إضرام الفتنة .

24/9/2011

__________________

2 comments on “إلدورادو المعنى – الكتابة بصوت مرتفع – اللغة / الصمت كلغة غير منطوقة

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s