الموت العجيب للأنظمة العربية ..

 

كبسولة :-  يحتاج الموت إلى إعلان للوفاة حتى يصبح حقيقة واقعية. 

” فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل من منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ” سبأ 14

هذه حالة موت فريدة من نوعها لن نجد لها موازياً في الواقع المعاش , بما في ذلك الواقع القديم , فالآية لا تحمل معنى له دلالة إذا ما اعتبرناها خبراً عن حدث تاريخي. كما أن معناها سينحصر في نقطة محددة من الماضي وفي جنس محدد هو الجن لو اعتبرناها معجزة من المعجزات . التأويل هو سبيلنا الوحيد للخروج بمعاني خالدة  ومستمرة وعميقة . الآية تتحدث عن الموت, فلو فسرنا الموت هنا بأنه الموت الطبيعي – موت الجسد – الذي يحدث لكل إنسان لبرزت أسئلة كثيرة وواجهتنا إشكاليات شتى , لكن تأويل الموت على أنه موت آخر – الموت المعنوي الروحي والسياسي –  سيفتح لنا آفاقا ويولد لنا معانٍ كثيرة .

إشكاليات تفسير الآية واقعياً : الموت الجسدي :

 تفسير الآية الحرفي باختصار يبين أن سليمان مات ولم يعلم بموته أحد بما في ذلك الجن الذين يدعون علم الغيب. وأن الذي دلهم على موته هو “الأرضة” وذلك عن طريق أكل منسأة – عصا – سليمان حتى اختل  توازنه فسقط فعلم الجميع بموته . وفقا للتفاسير فإنه ” مكث متوكئا على عصاه – وهي منسأته – كما قال ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة وغير واحد – مدة طويلة نحوا من سنة ، فلما أكلتها دابة الأرض ، وهي الأرضة ، ضعفت وسقط إلى الأرض ، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة.

دلالة هذه الآية وفقا لهذا التفسير الحرفي, أن الجن لا تعلم الغيب فلو كانت تعلم الغيب لعلمت بموت سليمان قبل أن تدلهم على ذلك دابة الأرض ! فالدلالة وفقا لهذا التفسير دلالة منحصرة بمعنى وحيد يتعلق بالجن وحدهم. وقد يبرز هنا سؤال , لماذا اختار الله هذا المثال أو هذه الصورة العجائبية الغرائبية  لتقديم هذا المعنى ؟! ألم يكن هناك وسيلة أخرى أو مثال آخر  لإظهار أن الجن لا تعلم الغيب؟!

هذه الصورة أو هذا المعنى الحرفي للموت لن يستقيم ,وسيواجه الكثير من الإشكاليات . منها كم من الوقت يلزم دابة الأرض لأكل جزء من المنسأة لإحداث خلل في التوازن يؤدي إلى السقوط ؟

لا شك أنها فترة ليست بالقصيرة – سنة وفقا للتفسير السابق –  فلو كان سليمان قد مات قبل هذه الفترة أو خلالها فهناك من العوارض ما يُستدل بها على موت الإنسان مثل انقطاع التنفس وغياب الحركة ونتانة الجسد وتفسخه.. فهل يُعقل أن لا تلاحظ الجن – أو حاشيته –  موته وهم قائمون على خدمته ؟!!

 نفهم من هذا أنه ليس بالضرورة أن تأكل النمل كل المنسأة ليخر سليمان. يكفي أن تأكل جزءً بسيط ليختل توازنه ويسقط. لكن سياق الآية – والتفاسير – يشيران بشكل واضح إلى خلاف ذلك , أي أن سليمان قضى فترة طويلة وهو ميت – دون أن يعلم بموته أحد من الجن أو الإنس – هي الفترة التي اقتضاها أكل النمل لجزء من المنسأة أو كلها. وهذا ما يؤكده أكثر جزء الآية ” ما لبثوا في العذاب المهين ” الفعل “لبث” يدل على طول المدة التي قضاها الجن في خدمة سليمان وهم لا يعلمون بموته , إضافة إلى ” العذاب المهين ” التي توحي هي الأخرى بطول هذه المدة .

وهنا لابد من سؤال آخر , من الذي كان يأمر الجن بالأعمال الشاقة المهينة طوال هذه الفترة ؟! هل هو سليمان –  الميت ؟!!

” تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ” المعنى أن الجن لا تعلم الغيب وإلا لعرفت بموت سليمان ! هذا هو المعنى الحرفي . لكن هل يحتاج التأكد من الموت إلى معرفة الغيب ؟!! يكفي النظر إلى الشخص لمعرفة أنه ميت أو نائم  وذلك من غياب الحركة وانقطاع التنفس عند الميت ولمزيد من التأكد يمكن جس النبض إلخ . أما أن يبقى الإنسان – سليمان – دون حراك أو نفس كل هذه المدة فهذا يدل على غباء الجن المطبق أو أن الآية لا تتحدث عن الموت الطبيعي الذي يعرفه الجميع وبالتالي لا حاجة لهذا التفسير الحرفي المشكل , والتأويل وحده كفيل بحل الإشكال والخروج بمعانٍ ودلالات أعمق تخرج من ضيق المعنى المحصور بالجن إلى المعنى الواسع الذي يشمل الإنسان كذلك.

خطورة التفسير الحرفي:

المعنى الوحيد لهذه الآية والسائد على ألسنة المؤمنين هو الإعجاز و ” إن الله قادر على كل شيء “! ولو كان هذا المعنى هو كل ما يريد القرآن تبليغه  لكانت آية واحدة تكفي لبلوغ المراد !!

والأخطر أن لهذا المعنى عواقب وخيمة منها الرفع من شأن اللاعقلانية والحط من شأن العقل والعقلانية .  القرآن خطاب للإنسان العائش على أرض الواقع فلماذا يُقدم له خطاب خارج أو بعيد عن الواقع خطاب ما ورائي إعجازي خيالي … المعنى أو الجواب ” الله قادر على كل شيء ” والذي يراد لنا استساغته , يحرم الإنسان من التساؤل والبحث عن المعرفة ويحيل المعرفة كلها لله وحده .

محاولة لتأويل الآية – الموت المعنوي, الروحي و السياسي :

للموت في الآية طرفان , الله في الطرف الأول الذي قضى الموت , ودابة الأرض – نمل الخشب – الطرف الثاني الذي نقل خبر الموت أو دل عليه بطريق غير مباشر. الطرف الأول يحمل العظمة والكبر والطرف الثاني  يتصف بالضآلة والصغر. أن تكون هذه الحشرة الضئيلة في الحجم والقليلة في المعرفة أداة لنقل المعرفة – التي تتطلب علم الغيب – لطرف آخر ثالث يمتلك معرفة أكثر  ويدعي علم الغيب , ففي هذا رسالة لها مضامين وأبعاد .

عدم الاغترار بالعلم , فعلم الطرف الثالث المنقول له المعرفة هنا , علمٌ ناقص مهما كان مقداره  وعلم محدود. هذا من جهة , ومن جهة أخرى عدم التقليل من شأن من صغر حجمه فالعلم لا يعتمد على الحجم  أو على نوع معين من الكائنات .

سليمان الظاهر وسليمان الباطن :

سليمان من حيث الظاهر للآخرين لم يمت بعد وإلا ” ما لبثوا في العذاب المهين ” . إنه شخص يعلم أنه ميت – معنوياً – في حين يعتقد الآخرين أنه على خير ما يرام . لذلك يكدون ويكدحون – و”بالروح بالدم” – من أجل إرضائه .لا مكان للحواس في الموت المعنوي فهنا يحتاج المرء إلى الإحساس لا الحواس فالنظر والسمع واللمس أدوات لا تنفذ إلى الداخل أو إلى الروح لتتأكد من الموت المعنوي .

الموت السياسي :

 صورة دابة الأرض – الأرضة أو نمل الخشب – وهي تنخر في المضمون حتى يتم تفريغه بالكامل فيخر ساقطاً , ليست إلا صورة للفساد المنتشر بين الناس أنظمة حاكمة , مجتمعات ودول , حكاماً ومحكومين  جماعات و أحزاب. الذين يظهرون على الملأ بمظاهر القوة والبأس وهم في الحقيقة ضعفاء وأذلاء , يدَّعون امتلاك الحقيقة والمشي  على الصراط وهم في الحقيقة جُهلاء وسائرون إلى الهاوية .

الإدعاء الزائف الذي توحي به الآية نوعان , إدعاء المختلين الذين يعتقدون حقاً أنهم أقوياء وعلى الصراط وأحياء قلباً وقالباً وهؤلاء لا سبيل إلى إقناعهم أو إرشادهم أو إصلاحهم . وادعاء آخر يعرف أصحابه أنهم مهدمون وأموات من الداخل فيعمدون إلى إظهار العكس رغبة في تأجيل إعلان الوفاة رسمياً . ربما يكون هذا النوع من الادعاء ناتج عن التقدير الخاطئ  فيكون هناك فرصة لتلافي الموت والدمار والبحث عن العلاج شريطة أن تتوفر في المدعي ميزة الاعتراف بالأخطاء والنقد الذاتي كي يعيد ترتيب حساباته ويحقق في مساره الخاطئ .

الآية تخبرنا على نحو ما بضرورة التأمل في الذات وفي النفس أفراداً وجماعات , دولاً وتكتلات وبضرورة المراجعة والنقد الذاتي والاعتراف بالأخطاء. هذه الأدوات وحدها الكفيلة بالتعرف على أوجه القصور وتجاوز المشكلات التي تواجه مسيرة الأفراد و النُظم السياسية .

3\4\2011

انظر إلى تفسير الآية الحرفي الخرافي  – تفسير ابن كثير في موقع اسلام ويب

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s