http://www.wildriverscoastart.com/2008/06/busy-bee-june-a.html

التاريخ لا يعيد نفسه !!

(عن عثمان بن عفان ومعاوية وعلي عبدالله صالح والقذافي والأسد ومبارك وبن علي ومن على شاكلتهم )

” لم أكن لأخلع قميصا قمصنيه اللّه “

**

” التاريخ يعيد نفسه ” عبارة يتكرر ذكرها كثيرا في سياق الحديث عن وجود – شبهة – تشابه بين أحداث التاريخ قديمها وحديثها . الحقيقة أن التاريخ لا يعيد نفسه , فالتاريخ ليس سوى حركة الإنسان في  واقع الزمان والمكان , ولما كان هذان العنصران محكومان بقانون الصيرورة  تحتم أن لا تتطابق أحداث التاريخ . هي عبارة لم يقصد بها التطابق التام بين أحداث التاريخ وإنما وجود عناصر مشتركة توحي بالتشابه .

حركة التاريخ :

للتاريخ حركتان إحداهما حقيقية وطبيعية نحو الأمام تحدث في حالة التقدم والتطور وحركة وهمية نحو الخلف في حالة التخلف والجمود . والحركة الثانية وهمية لأنها لا تمثل حركة بمعنى الكلمة والتوصيف الدقيق لها هي الشلل  والجمود والثبات.

محاولات تثبيت التاريخ أو العودة به إلى الوراء أو الماضي التي تمثلها بعض المذاهب الدينية – التي لا تعي حركة التاريخ – لا تبوء بالفشل فقط بل وتؤدي به إلى الجمود وشل حركته الطبيعية نحو الأمام ومن ثم التخلف . هذا هو أقرب توصيف لحالة التاريخ العربي  فلا هو تقدم للأمام ولا هو عاد إلى الخلف أو الماضي الجميل أيام السلف الصالح كما يعتقدون  .

التاريخ ينتقل في الزمان والجغرافيا في حركة ديناميكية لا تهدف إلى إعادة تبني أو إعادة صياغة الأنماط القديمة – حتى لو كان هذا الماضي جميلا – بل تهدف إلى ابتكار أنماط جديدة هي من مخرجات عصرها وبنت لزمانها ومكانها .

إعادة إنتاج الماضي :

وجود تشابه بين لحظتين تاريخيتين يفصلهما فترة طويلة من الزمن تمتد لعشرات أو لمئات السنين لا يعني أن التاريخ يعيد نفسه بقدر ما يعني شيئاً واحدا هو إعادة إنتاج مضمون الماضي  في قوالب وأشكال تبدوا وكأنها جديدة  أو معاصرة وهذا هو المقصود بشلل حركة التاريخ , فالتاريخ لا يتوقف تماما مثلما لا يتشابه تماما . “حركة التوقف ” العربية ليست سوى حركة حول محور الذات وإعادة تلفيق ذات المضمون القديم بأشكال شبه معاصرة .

انفصال وانفصام:

ما يحدث هنا هو كبح لجموح حركة التاريخ الطبيعية عندما يعيش الإنسان العربي حالة من الفصام بين روحه وجسده سببها الانفصال عن الواقع , فروحه متعلقة بالماضي وجسده منغمس في الحاضر . حالة الشد والجذب هذه هي التي تُبقي تاريخنا جامدا في مقامه لا يبارحه . اللحية والعمامة والتمظهر الشكلي القديم وتحريم التلفزيون والفنون أدوات الانفصال عن الواقع المعاصر  وكلها تهدف إلى إتمام معايشة الماضي بكل أبعاده , فيحدث الفصام , لكن الانفصال لا يكتمل , لأن الانترنت والسيارة والطائرة والموبايل وغيرها من أدوات العصر لم تجد طريقها للتحريم وما زالت تربطهم بالحاضر .

من ذاكرة التاريخ :

 حادثة مقتل الخليفة عثمان بن عفان  يُؤرخ لها بالفتنة الكبرى , وهي وإن كانت كذلك فلأنها مثلت ذروة الصراع على السلطة في التاريخ القديم والتي سبقتها إرهاصات وأحداث مهدت لها بدأت في سقيفة بني ساعدة مرورا بمقتل الخليفة عمر ولم تنتهي بمقتل عثمان .

حالة مقتل عثمان فريدة من نوعها وفرادتها لا تأتي من عدم تكرارها تاريخيا بل من كونها الحالة الأولى المؤسسة لحالات أعقبتها في التاريخ العربي الإسلامي , ومن يتأمل ما يحدث اليوم في ليبيا واليمن وسوريا وما حدث في تونس ومصر يعرف أن حركة هذا التاريخ  متوقفة منذ تلك اللحظة .

لقد اندهشت أيما دهشة وأنا أعيد قراءة نصوص حادثة مقتل عثمان, فسلوك عثمان السياسي وألاعيبه ومناوراته  وعباراته استنسخها حكامنا بالحرف , ومن يريد الاندهاش مثلي عليه بالعودة إلى تفاصيل الحادثة في كتب التاريخ  مثل ” تاريخ الطبري ” أو الاكتفاء بما سأورده في هامش هذا المقال من نصوص وهي كافية لتثير فيه الدهشة . وإليكم ملخص للحادثة :

حوصر عثمان في داره أربعين يوما أو يزيد  وذلك بسبب الفساد الذي استشرى في أوصال الدولة أو الأسرة الحاكمة فقد ولى عثمان أقرباءه مراكز السلطة والحكم واستبعد الصحابة وقرب إليه الأراذل ومكنهم من بيت مال المسلمين . ولما حوصر أُعطي الفرصة والفرصتين لتلبية مطالب الشعب بالإصلاح ووسط الإمام علي وغيره وتعهد بالإصلاح ولكنه نكث بوعده وبدلا من ذلك وخلال المهلة التي طلبها لتنفيذ مطالب الناس كان يتأهّب للقتال ويستعدّ بالسلاح  – وقد كان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس “ !!

لم يفي عثمان بوعوده – كما يفعل اليوم حكامنا – فتسور المحاصرون داره وكان فيهم من الصحابة ومن بينهم محمد بن أبي بكر الصديق وقتلوه , وهو يقرأ القرآن كما تضيف الروايات .

بين الماضي والحاضر :

ما يجمع بين سنة 35 للهجرة  و 2011 للميلاد أو بين الماضي والحاضر هو هذه الاستماتة في التمسك بالسلطة والاستئثار بالحكم وكأنه حق مقدس ممنوح لهم وحدهم دون سواهم من الناس , إلى درجة أن يعتبر عثمان السلطة قميصا ألبسه الله إياه وما  ينبغي له أن يخلعه  . قال:

لم أكن لاخلع سربالا سربلنيه اللّه وفي رواية أخرى ” أمّا أن أخلع لـهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللّه عزّ وجلّ –: كما قال: واللّه  لأن أقدم فتضرب عنقي أحبّ إلي من  أن أخلع قميصا قمّصنيه اللّه  وأترك أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم  يعدُ وبـعضها على بعض . ” 

مبررات بقاء عثمان في الحكم !!

كما قال لتبرير بقائه في الحكم ” فواللّه لئن قتلتموني لا تتحابّون بعدي أبداً ، ولا تصلّون جميعا بعدي أبداً ولا تقاتلون بعدي عدوّاً جميعا أبداً

لاحظ في النصوص المقتبسة أعلاه أن المبررات التي ساقها عثمان لبقائه في الحكم لا تختلف عن المبررات التي يسوقها اليوم  حكامنا الطغاة والتي ملخصها ” أنا أو الطوفان , أنا أو الفوضى والانقسام “

من هنا بدأت شرارة الفكرة ” ظل الله على الأرض ” و وكيله في الدنيا “والحاكمية لله وحده”  و” الحاكم بأمر الله ” و ” المستنصر بالله ” إلى غيرها من المسميات التي ترتبط بالذات الإلهية والتي رسخها وأصلها فقهيا معاوية ومن خلفه وحذا حذوه معظم الساسة والحكام إلى عصرنا هذا .

ما يفرق بين الماضي والحاضر هو أن عثمان لم يكن لديه أجهزة مخابرات وقوى أمن مركزي وزبانية  عذاب يسوم بها معارضيه ومحاصريه أو يلقي بهم في السجون ويذيقهم الويلات قبل أن يلقي بجثثهم المشوهة في الطرقات ليكونوا عبرة لمن لا يعتبر  . ولم يكن لعثمان أدوات قمع وجيش قوي  مهمته حمايته وأسرته وأركان حكمه لا حماية الوطن . لذلك كان من السهل التخلص منه بعد أن فشلت الوسائل السلمية والنصح والإرشاد في إقناعه بالتداول السلمي للسلطة .

ما أشبه الليلة بالبارحة :

هنا يمكننا الاستشهاد بالعبارة ” ما أشبه الليلة بالبارحة  ” ونحن نتحدث عن وجود هذا التشابه الذي يصل إلى حد التطابق في الطبيعة النفسية الفاسدة للحكام العرب قدماء ومعاصرين . هذه الطبيعة الطماعة المحبة للسلطة والسيطرة والراغبة في الخلود على كرسي الحكم بتوريثه للأبناء والأحفاد .

هذا هو الدرس – الخطأ – الذي تعلمه  الحكام منذ مقتل عثمان , أن يكثفوا الحراسة حولهم ويبتكروا من وسائل إشغال الناس  وتخويفهم ما يمنعهم من الاعتراض والاحتجاج , وكان الدين إحدى أهم هذه الوسائل الناجعة  عندما أصبح الاعتراض على الحاكم مرادفا للاعتراض على الله  وقدره !

إن مثل عثمان اليوم في استمساكه بالسلطة حد الموت في سبيلها , وتمليك ذويه مقاليد الحكم والتصرف  في المال العام وعدم النزول عند مطالب الناس , كمثل القذافي وصالح والأسد ومبارك وبن علي وغيرهم من الأمراء والشيوخ والسلاطين والملوك والرؤساء الذين ما زالوا  يتربعون على كرسي الحكم يتداولونه بينهم  “كما يتداولون   الكرة ” تمشيا مع نصيحة أبي سفيان لعثمان بن عفان .

أمام هذه الطبائع الفاسدة للحكام العرب يمكننا فقط القول بأن الإنسان العربي والحاكم على وجه الخصوص وليس التاريخ هو من يعيد نفسه  ويستنسخها طوال ألف وأربعمائة عام مرتديا قميص عثمان ومرددا عبارته  السياسية ” ” لم أكن لأخلع قميصا قمصنيه اللّه ويكمل التاريخ ” حتى يخلعك الشعب قتلا أو نفيا ” .

4/6/2011

========================================================

هوامش : نصوص عن حادثة قتل الخليفة عثمان بن عفان :

1- ” وكتب أهل المدينة الى عثمان يدعونه الى التوبة ويحتجّون ويقسمون له باللّه لا يمسكون عنه أبدا حتّى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ اللّه .

فلما خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته فقال لهم : قد صنع القوم ما قد رأيتم، فما المخرج ؟ فأشاروا عليه أن يرسل الى عليّ بن أبي طالب فيطلب اليه أن يَردّهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتّى يأتيه  امداد فقال : انّ القوم لن يقبلوا التعليل وهم محمّلي عهداً وقد كان منّى في قدمتهم الاولى ما كان فمتى أعطيهم ذلك يسألوني الوفاء به! فقال مروان بن الحكم : ياأمير المؤمنين مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب فأعطهم ما سألوك وطاولهم ما طاولوك فانّمّا هم بغوا عليك فلا عهد لهم .

فأرسل الى عليّ فدعاه فلما جاءه قال : ياأبا حسن انّه قد كان من الناس ما قد رايت وكان منيّ ما قد علمت ولست آمنهم على قتلي فارددهم عنّي فانّ لهم اللّه عزّ وجلّ أن أعتبهم (4) من كل مايكرهون وان أُعطيهم الحقّ من نفسي ومن غيري وان كان في ذلك سفك دمي فقال له عليّ الناس الى عدلك أحوج منهم الى قتلك وانّي لأرى قوماً لا يرضون الاّ بالرضا وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهداً من اللّه  : لترجعنّ عن جميع مانقموا ; فرددتهم عنك ثمّ  لم تف لهم بشئ من ذلك فلا تغرّني هذه المرّة من شئ فانّي معطيهم عليك الحقّ قال : نعم فأعطهم فواللّه لافينّ لهم. فخرج عليٌ الى الناس فقال: أيّها الناس انكم انّما طلبتم الحقّ فقد أعطيتموه ; انّ عثمان قد زعم أنّه منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ماتكرهون  فاقبلوا منه ووكّدوا عليه قال الناس : قد قبلنا فاستوثق منه لنا فانّا واللّه لانرضى بقول دون فعل فقال لهم عليّ : ذلك لكم ثمّ  دخل عليه فأخبره الخبر، فقال عثمان : اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي فيه مهلة فانّي لا أقدر على ردّ ماكرهوا في يوم واحد ، قال: له عليٌ : ماحضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك قال نعم ; ولكن أجّلني فيما بالمدينة ثلاثة أيّام. قال: عليّ: نعم فخرج الى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجّله فيه ثلاثا على أن يردّ كل مظلمة ويعزل كلّ عامل كرهوه ثمّ  أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه  على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناساً من وجوه المهاجرين وألانصار فكفّ المسلمون عنه ورجعوا الى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه فجعل يتأهّب للقتال ويستعدّ بالسلاح  – وقد كان اتّخذ جندا عظيما من رقيق الخمس – فلما مضت الايّام الثلاثة – وهو على حاله لم يغيّر شيئاً ممّا كرهوه ولم يعزل عاملا  – ثار به الناس وخرج عمرو بن حازم الانصاري حتّى أتى المصريّين وهم بذي خشب ، فأخبرهم الخبر وسار معهم حتّى قدموا المدينة فارسلوا الى عثمان : ألم نفارقك على أنّك زعمت أنّك تائب من احداثك وراجع عمّا كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهد اللّه  وميثاقه! قال: بلى أنا على ذلك. قالوا: فما هذا الكتاب الّذي وجدنا مع رسولك وكتبت به الى عاملك قال مافعلت ولا لي علم بما تقولون قالوا : بريدك على جملك وكتاب كاتبك عليه خاتمك قال : أمّا الجمل فمسروق وقد يشبه الخطّ الخطّ ; وأما الخاتم فانتقش عليه ، قالوا : فانّا لانعجل عليك وان كنّا قد اتهّمناك اعزل عنّا عمّالك الفسّاق واستعمل علينا من لا يّتهم على دمائنا وأموالنا واردد علينا مظالمنا. قال عثمان  ما أراني اذاً في شئ ان كنت أستعمل من هويتم واعزل من كرهتم الامر اذاً أمركم! قالوا واللّه  لتفعلنّ أولتعزلنّ أو لتقتلنّ فانظر لنفسك أودع . فأبى عليهم وقال : لم أكن لاخلع سربالا سربلنيه اللّه ، فحصروه أربعين ليلة وطلحة يصلّي بالناس .

2- فقال : ياأشتر ; مايريد الناس منّي؟ قال : ثلاثاً ليس من احداهنّ بدّ ; قال: ماهنَّ؟ قال: يخيّرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا له من شئتم  وبين أن تُقِصَّ من نفسك فان أبيت هاتين فانّ القوم قاتلوك . فقال : أما من احداهنّ بدٌّ ! قال : مامن احداهن بدٌّ ، فقال : أمّا أن أخلع لـهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللّه عزّ وجلّ – قال : وقال غيره : واللّه  لأن أقدم فتضرب عنقي أحبّ اليّ من  أن أخلع قميصا قمّصنيه اللّه  وأترك أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم  يعدُ وبـعضها على بعض . قال ابن عون : وهذا أشبه بكلامه  – وأمّا أن أقصّ من نفسي ; فواللّه لقد علمت أن صاحبيّ بين يدي قد كانا يعاقبان وما يقوم بدني بالقصاص وامّا أن تقتلوني ، فواللّه لئن قتلتموني لا تتحابّون بعدي أبداً ، ولا تصلّون جميعا بعدي أبداً ولا تقاتلون بعدي عدوّاً جميعا أبداً

2 comments on “التاريخ لا يعيد نفسه !!

  1. يا ترى ماذا سنرى تحت قميصه بعد أن نخلعه دولارات؟ جثث؟ شياطين ؟ جيفة ؟ أظن أن رائحته البشعة ستجعلنا نضطر ان نرميه في النار أو ان ندفه حياً. لك حرية الاختيار بعد أن تصبح حراً بحق.

    • السؤال كيف نصبح احرار بحق ؟! هل نولد احرار أم عبيد ؟! المنطق وعمر يقرران بأننا نولد احرار” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا ” القميص كان مجرد مثل تاريخي يرفد الموضوع الأساس حركة التاريخ . وعل كل حال لا يوجد تحت قمصانهم سوي الانانية والطمع .

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s