ناجي العلي

في غياب المرجعيات

 


كاريكاتير لناجي العلي يقف فيه عربيان قبالة بعضهما يتجادلان كل يدعي أنه على حق. أحدهما مصمم أن حاصل جمع  2+2 = 3 والآخر مصمم أن حاصل الجمع = 5 . أي طرف ثالث يعرف أن كلاهما على خطأ والسبب في ذلك هو غياب المرجعية التي ينبغي أن يحتكموا إليها وهي في هذه الحالة علم الحساب والرياضيات . الكاريكاتير في معانيه العميقة يشير إلى غياب المرجعيات , مرجعية المعنى والمضمون وعدم التمييز بين الحق والباطل والصح والخطأ إلى آخر الثنائيات المتضادة .
هذا الكاريكاتير يكاد يلخص لنا جوهر الإشكاليات العربية وطبيعة الخلافات والصراعات بين جميع الثنائيات , السلطة والمعارضة , حماس وفتح , المؤيدون والمعارضون , أو أي خلاف بين أي اثنين حول مسألة من المسائل . غياب أو تغييب المرجعيات كحكم ومعيار يحتكم إليه الطرفان يعتبر الإشكالية المركزية التي تقود بدورها إلى بروز اشكاليات أخرى وهي : منطق الأكثرية والأقلية , ادعاء امتلاك الحقيقة و اتهام الآخرين بالخيانة والعمالة وغيرها من الاشكاليات .

أعراض غياب المرجعيات :

  • سيادة منطق ” الأكثرية والأقلية .
  • توجيه تهم الخيانة والعمالة للمعارضين .
  • الهروب من الأسباب الحقيقية للأزمة وتعليقعا على مشجب المؤامرة والأجندات الخارجية .
  • تزييف المرجعيات وقلب الحقائق وتلوينها .
  • شغل الرأي العام عن مطالبه الحقيقية بقضايا ثانوية .
  • ادعاء امتلاك الحقيقة وعدم الاعتراف بالأخطاء .
  • نزع الشرعية من المعارضة الحقيقة وخلق معارضة مصطنعة من قبل النظام .
  • الاهتمام بالشكل على حساب  المضمون . ( الدستور السوري واليمني على سبيل المثال يؤكدان على حرية التعبير لكن الواقع خلاف ذلك . نظرياً لا يوجد قانون طوارئ في اليمن مع انه معمول به عملياً .. )

لكل قضية مرجعياتها لكن الحديث هنا يتركز حول المرجعيات السياسية ومعايير بناء الدولة الحديثة والتي أهمها ” الحرية , العدالة , المساواة , قيم الديموقراطية , سيادة القانون … ”  أنت على حق بمقدار ما تحقق أو تقترب من تحقيق هذه المرجعيات .

” يصبح الاختلاف في الواقع اتفاقاً اذا ما صب في نهاية الأمر في نقطة نهاية واحدة “

أي خلاف يصبح ثانوياً اذا ما توحدت الأهداف والمرجعيات , والهدف هنا بناء دولة قوية متقدمة علمياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً .
الأسئلة المركزية التي يجب أن يسألها أي طرفين – السلطة والمعارضة – يعملان على بناء هذه الدولة هي , كيف السبيل إلى ذلك البناء ووفق أي شروط ؟
هل يستقيم بناء هذه الدولة المنشودة مع الكبت والقمع ومصادرة الحريات وسجن المعارضين والاستحواذ على السلطة من قبل فرد واحد أو أسرة واحدة ؟ وهل هناك دولة في سياق التاريخ الحديث نجحت في ذلك اعتماداً على هذه الشروط ؟
أم أن بناء الدول الحديثة لا يستقيم إلا وفق مرجعيات الديموقراطية والحرية والعدالة وسيادة القانون والتبادل السلمي للسلطة ؟

اذا ما اتفق الطرفان على المرجعية الأخيرة أساساً لبناء الدولة سيتحول الخلاف من خلاف حول الأصول – المرجعيات – إلى خلاف حول الفروع – الآليات – وبهذا لن يشكل الخلاف عائق بقدر ما سيمثل اجتهاد مستمر من قبل الطرفين للإلتقاء عند نقطة واحدة هي بناء الدولة .

هذا هو النموذج المعتمد من قبل كثير  من الدول المتقدمة في العالم مثل أمريكا على سبيل المثال حيث يتنافس حزبان ويتبادلان الأدوار ويختلفان حول آليات بناء الدولة لكنهما يشتركان في وحدة الهدف وهو بناء الدولة وتقدمها .
هذا لا يحدث في الوطن العربي والسبب غياب أو تغييب المرجعيات من قبل السلطة أو اعتمادها على مرجعيات نقيضة ومزيفة لا عن سوء تقدير- برأي – بل عن سبق اصرار وذلك لأن الهدف المنشود في ذهن النظام ليس بناء الدولة المنشودة بل البقاء والاستمرار في الحكم أطول فترة ممكنة . وكلنا يعرف أن مرجعيات هذا الهدف وألياته تتم عن طريق القمع ومصادرة الحريات ونظام الحكم الفردي الأسري طويل المدى .

الصراع القائم اذن هو صراع مرجعيات بين سلطة تعتمد القمع ومعارضة تنادي بالحرية بين سلطة أُحادية ومعارضة تسعى نحو التعددية بين سلطة جامدة ومعارضة تجتهد في أن تكون ديناميكية .
الاحتكام إلى المرجعيات والمعاييرالأصيلة لا يعني زوال الخلاف بقدر ما يعني تقليلها والتخفيف من حدتها والتحول في نوعها .

إن أُسس بناء الدولة ليست مسألة فلسفية ميتافيزيقية مستحيلة أو غير ممكنة أو في طور البحث بل هي في اطار الممكن لأنها تقوم على أسس ومعايير وضوابط ومرجعيات لن نخترعها لأنه قد تم اختراعها وثبُت نجاعتها في سياق التاريخ السياسي الحديث .

تزييف المرجعيات :
وسيلتان من وسائل تزييف المرجعيات تعتمدها الأنظمة الحاكمة الديكتاتورية وهما : التلوين وقلب الحقائق . وذلك عن طريق البسط على مقولات المعارضة ومصادرتها سلباً من خلال الادعاء بأنها الوكيل الحصري والقادر الوحيد على القيام بالاصلاحات , فتقوم باصلاحات واجراءات شكلية لا غير . والاسلوب الآخر من التزييف يقوم على عدم الاعتراف بالأخطاء والادعاء بأن النظام يسير على السراط المستقيم و ” يا جبل ما يهزك ريح ! ” وهنا يُصبح القمع مرادفاً للحرية والفساد مرادفاً للعدالة والاعتقالات مرادفاً لأمن الوطن , وهكذا يظل محمد الماغوط رهين المحابس والسجون بأسماءه المتجددة المتعددة . وتظل ” سوريا الله حاميها ” دون الحاجة إلى جيش قوي !
أن يوجد أفراد أو جماعات تزيف الحقائق والمرجعيات فتقلب الحق باطلاً والباطل حقاً وتقول عن القمع حرية وعن الفساد انفتاح وعن الطغيان شر لابد منه فالخلل ليس في المرجعيات بل في عقول واحاسيس ومشاعر من يزيفها .

الأكثرية والأقلية :
” اذا ما أشرت بإصبعك إلى الشمس فإن الغبي ينظر إلى الإصبع “

هذا ما يحدث غالباً بين طرفي النقاش حول الاصلاحات . السياسة المتبعة هي توجيه اهتمام الرأي العام إلى قضايا ثانوية من مثل ” أكثرية أقلية ” و ” أجندات خارجية ” و ” مؤامرة ” . اشغال الرأي العام عن – شمسه – الاصلاحات والمطالب الرئيسية بتوجيه أنظاره إلى الأصابع الخارجية التي تحرك عملية الاصلاح . ولمزيد من التمويه والتلاعب يسرقون منه مشروعه الاصلاحي فيدعون أنهم ” رواد اصلاح ” و ” دعاة اصلاح ” لكن الاصلاح من وجهة نظرهم ينبغي أن يكون بطيئاً ويحتاج إلى دراسة وتفكير واعادة دراسة وتفكير وفي سياق هذه الدراسة التي تستغرق عشرات السنين يرمون بعظمة اصلاح هنا وجزرة اصلاحية هناك فاذا ما تأملتها جيداً تجدها شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع .

تهم الخيانة :
اتهام السلطة الحاكمة للمعارضة في الداخل أو الخارج بالعمالة والخيانة اشارة أخرى لغياب المرجعيات , فاتهام السلطة يتجه إلى شخص المعارضة والمعارضين لا إلى برنامجهم أو مطالبهم وفي هذه الحالة يُنظر إلى ” لا شرعية ” المعارضة لا إلى ” شرعية ” المطالب التي تنادي بها . من هنا يتبين عدم جدية النظام في مشروع الاصلاحات , فاذا كانت السلطة جادة فعلاً لتوجه اهتمامها إلى مطالب المعارضين لا إلى المعارضين أنفسهم . الجدية تتمثل في مناقشة المطالب  وتحديد ما اذا كانت مطالب شرعية أم لا , والكف عن توجيه التهم .
توجيه التهم للمعارضين هو رسالة ضمنية مفادها أن المطالب الاصلاحية تكتسب ” لا مشروعيتها ” من لا مشروعية المعارضين . مما يعني عدم الشروع في تنفيذها أو الممطالة في ذلك .

امتلاك الحقيقة :
الاطمئنان إلى امتلاك الحقيقة المطلقة من قبل الأنظمة المستبدة اشارة أخرى إلى غياب المرجعيات أو تزييفها . نسبية الحقيقة والمراجعة الدائمة للمسار ونقد الذات والاعتراف بالأخطاء من سمات المرجعيات الأصيلة التي تعمل بها الدول المتقدمة سلطة ومعارضة من أجل تلافي الأخطاء في عملية اصلاح متراكمة يستفيد منها الطرفان المتصارعان على السلطة .
الصراع على السلطة بالمعنى النقدي سالف الذكر بين السلطة والمعارضة أمر مباح ومثمر لأنه صراع من أجل البحث عن أنجح السبل لخدمة الوطن وتقدم الدولة .

النقد الذي وجهته الاشتراكية للرأسمالية كان له أثر كبير في تعديل الأخيرة لمسارها ولتلافي سلبياتها , فأهم انجازات الرأسمالية أتى في سياق الصراع مع الاشتراكية . بهذا يُصبح العدو صديقاً عندما يكون الصراع حافزاً لنقد الذات وتأملها من خلال عيون الآخرين .

إن أي دولة تسجن معارضيها أو تنفيهم تحرم نفسها من هذه الميزة – ميزة العدو الصديق  والنقد المستمر .لهذا تعمد السلطة إلى خلق معارضة مصطنعة هي جزء من النظام الحاكم لتوهم الداخل والخارج بأنها دولة قائمة على أسس ديموقراطية !

السلطة المطلقة تصبح مقدسة وتستعصي على النقد فتصبح سياساتها غير قابلة للنقاش . في هذا الجو المقدس يُعشش الفساد ويفرخ بحيث يصبح أي حديث عن اجراءات اصلاحية بشكلها الحالي والمعتمد من قبل النظام وحده  يصبح  عبث يؤدي إلى انهيارالدولة .

أولى خطوات الاصلاح في هكذا أنظمة فاسدة تستدعي البحث عن شريك مستقل أو معارض أو كليهما يُسهم في عملية الاصلاح ويعمل على تسليم السلطة وفق برنامج اصلاحي تتفق عليه كافة الأطراف . السبب الأول في انهيار الاتحاد السوفيتي كان التأخر في عملية الاصلاح .

اترك رد أو تعليق - Your comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s