خلل الشكل والمضمون في فيلم Arrival

arrival

رياض نسيم حمَّادي

المعتاد في تاريخ الإنسان أن يشوه الجديد صورة القديم أو اللاحق صورة السابق. ولأن “المرء عدو ما يجهل” فجميع أفلام الخيال العلمي (تقريباً) تُصور الكائنات الفضائية المفترضة على أنهم أعداء.

وبما أنهم أعداء تبدأ في تشويههم. من هنا تظهر تلك الكائنات مُسوخاً على مستوى الصورة والصوت, الشكل والمضمون. استثناء مضمون الخير/السلام في هذا الفيلم لن يلغي مسخ الشكل.

هذا الافتراض قائم على خيال بشري عقيم أو مشوه, وإلا لاختار صورة أفضل أو أجمل لتلك المخلوقات المفترضة. كما أنه خيال يتعارض مع حكم العقل الذي سيسأل: كيف يمكن لتلك المسوخ البدائية أن تمتلك تلك التقنية الفائقة الذكاء والمعقدة؟!

يجمع مصطلح “الخيال العلمي” بين الخيال والعلم, قد يتطابق الخيال مع العلم أو ينسجم معه, والمثال الأجمل والأبرز فيلم انترستيلر, وقد يبتعد الخيال عن العلم والأمثلة كثيرة. والخلاصة: ليس بالضرورة أن تتطابق أفلام الخيال العلمي مع العلم. وهذا الفيلم أحدها. لكن من الضروري أن يضمن الفيلم قدراً من المتعة البصرية والذهنية الجمالية المتحصلة عن طريق عناصر الفيلم المختلفة. وأهم تلك العناصر هي لإقناع.

يمكن للإنسان أن يبتكر صورة أفضل لتلك الكائنات الفضائية المفترضة, فيتطابق الخيال مع العقل/العلم. يمكنه مثلاً أن يبتكر صورة أو صور لتلك المخلوقات في هيئة أو هيئات تُكمِّل نقص الإنسان بكل مستوياته, لا أن يعكس الإنسان تشوهه (أو خياله وعقله المشوه) في صورة تلك المخلوقات. الإنسان لا يفعل؛ لأنه يعتقد أن تلك الكائنات عدوة, فهي التي تغزوا الأرض وليس العكس! وعندما يغزوا الإنسان الفضاء يتم تبرير ذلك بأنه مضطر, بسبب تلوث الأرض أو حدوث كارثة مثلاً. كما أن الكواكب التي يصل إليها تكون غالباً غير مأهولة!

صورة تلك المخلوقات المشوهة في السينما تنطلق من صورة مشوهة في الذهن مبنية على اعتقاد (ديني) قديم يعتبر الإنسان مركزاً للكون. وعليه فالإنسان أجمل المخلوقات, وحتى لو وُجدت مخلوقات أو حضارات تمتلك معدات أعقد -تدل على أنها أذكى- فسينتصر عليها الإنسان بمعداته البسيطة!

هذا الاعتقاد سبق وأن حطمه العلم في ثلاث ثورات كوبرنيكية وداروينية وفرويدية نزعت مركزية الأرض من الكون ومركزية الإنسان بين بقية الكائنات.

استمر في القراءة

رسائل وتعليقات إلى روائي شاب

12938733._SY540_

رسائل ماريو بارغاس يوسا وتعليقات رياض نسيم حمَّادي

الرسالة الأولى: قطع مكافئ للدودة الوحيدة

تتحدث الرسالة عن الميل الأدبي أو الاستعداد الفطري الذي يجب أن يتوفر في أي كاتب. والميل الأدبي أو الاستعداد الفطري ليس قدرا ولا هو مكتوب في الجينات لكنه في المقابل ليس اختيارا حرا, وإنما ميل واستعداد فطري أو موهبة يتم تعزيزها بالمثابرة والتكريس المتواصل.

تعليقي:

يُبدع الكاتب عندما يتوفر له هذين الشرطين, قد يكفي واحد منهما لصناعة كاتب, أما الكاتب الخلاق فلا بد له من اجتماع الشرطين.

رغبتك في كتابة رواية تختلف عن الرغبة في أن تكون روائياً. الأمر مختلف, أن تكون روائياً لا يعني أن تكتب الرواية بألف ولام التعريف. نوع الرغبة هو ما سيحدد مستوى ما ستكتبه. يمكنك أن تكون روائياً بمجرد كتابتك أي “رواية”, لكن الرواية العظيمة تصنع الروائي العظيم, وليس العكس. يقول هاروكي موراكامي “لم يكن لدي أي طموح لأصبح (روائياً) كانت لدي فقط رغبة قوية في كتابة رواية. لم أكن أعرف عن ماذا سأكتب, كنت أملك فقط إيماناً بقدرتي على الإتيان بكتابة مقنعة” (اخرج في موعد مع فتاة تحب الكتابة 209).

يميل أكثر الناس إلى الشهرة أكثر من ميلهم إلى المجال الذي عن طريقه سينالونها. وأكثر مجال يستسهله البعض هو الكتابة, فعن طريقها يمكن أن ينال المرء صفة كاتب (قاص, شاعر, روائي, إلخ). هؤلاء يحبون هذه الصفات الأدبية أكثر من حبهم أو ميلهم للأدب. والدليل الأبرز على ذلك هو سرعة نشرهم لكل ما يكتبونه, ثم تسولهم لعبارات المديح, ويصل بهم الأمر إلى إنكار وجود نقاد, إن لم يحظوا بالمديح اللائق بهم كـ(كُتاب) مبتدئين, فهم يريدون الوصول إلى القمة بأسرع وقت ممكن ولو عبر التسلق على أسماء تحظى ببعض الشهرة, وهذا ما يفعله بعض الكُتاب أو (النقاد) خصوصاً عندما يكتبون عن إناث يمارسن الكتابة مثلما يمارس مراهق العادة السرية!

يمكن تلخيص رسالة يوسا الأولى في سؤال: هل يمكن لأي إنسان أن يكون كاتباً؟

لا بد من توفر ميل طبيعي أو استعداد فطري لمجال معين من مجالات الحياة مثل الكتابة أو الفنون أو الرياضة, إلخ. ليس هذا وحسب, بل يوجد ميل أو استعداد فطري داخل كل مجال من المجالات السابقة, فهناك شعراء لا يمكنهم إلا أن يكتبوا الشعر.

واحدة من مشكلات الرواية اليمنية هي الكتابة بدافع الشهرة أو الهالة التي يصنعها لقب روائي, والأهم عدم امتلاك كثير من كُتابها لهذا الاستعداد. فما زال البعض يعتقد أن القصة تمرين لكتابة الرواية ويربطون الرواية بالنَّفَسِ الطويل غافلين عن العنصر الأهم وهو الميل الأدبي لكتابة هذا النوع.

مشكلة الرواية في اليمن أن الموهوبين غير ملتزمين, وعديمي الموهبة يكتبون روايات بلا روح.

وحتى لا يظن البعض أني ضد الكتابة, أقول أن العيب ليس في ممارسة الكتابة ولكن في استعجال النشر ثم الأهم في استعجال الشهرة من خلال استجداء المديح. خربش لكن حاول أن تحتفظ لنفسك بما تخربشه لأطول وقت ممكن, ولتُعد قراءة ما خربشته بعد زمن, فإن وجدتَه صالح للنشر فانشره. المشكلة إذن ليست في الخربشة, ولكن في اعتبار ما تخربشه عبقرية وإبداع يستحق الإطراء والمديح, وهذا ما يقوله لك يوسا بعبارة أخرى:

“لا وجود لروائيين مبكرين. فجميع الروائيين الكبار والرائعين, كانوا في أول أمرهم (مخربشين) متمرنين, وراحت موهبتهم تتشكل استناداً إلى المثابرة والاقتناع” (15)

الرسالة الثانية: الكاتوبليباس

استمر في القراءة

في البدء كان الشعر

knife-landscape-oil-painting-on-canvas-hand-painted-abstract-streetscape-people-with-umbrella-in-rain-painting-china-supplier-online-for-sale_6

رياض نسيم حمَّادي

الشعر وهو يخوض في المناطق المظلمة للعقل والكون واللغة والمخيلة والمجهول والغامض يصبح هو العقل والكون واللغة والمخيلة والمجهول والغامض. يصبح هو الضوء والشعر بألف ولام التعريف.

الشعر بهذا المعنى اكتشاف وفتح وغزو, وخلافاً للمكتشفين والفاتحين, لا يكتشف الشعر أرضاً بكراً كي يستوطنها ولا يفض بكارة كي يقترن بها, لكنه يكتفي بشغف الفتح ومغامرة الرؤية, ففي أرض الميتاجمالية فضاء شاسع, جنةٌ عرضها السماوات والأرض أُعدت للشعراء, وما تم اكتشافه حتى الآن ينطبق عليه الوصف “كالليل نسلخ منه النهار”.

يتجوهر الشعر بدخول منطقة اللاوعي بوعي يُعطي المتلقي انطباعاً بأنه وعي لاواعٍ, وبه تتشكل التلقائية وتُصنع الفطرة وتُزرع العفوية ويُصبح الشعر عقلاً يُغذي ركب العقول العلمية والفلسفية والدينية, ويصبح الشعر لغة العلم. حينها نفهم مقولة هايزنبرج: “عندما يتعلق الأمر بالذرات فإن اللغة تستعمل فقط كما في الشعر, فالشاعر أيضاً لا يهتم بوصف الحقائق قدر اهتمامه بخلق الصور”.

يصبح الشعر حلقة وصل بين المادي والمثالي, أو تعبيراً عن تطابقهما, بين الوعي واللاوعي, أو امتداداً لهما, وتتمة للعقل والجنون, وخلطاً للمجهول بالمعلوم, واتحاد المعرفة بالجوهر وامتزاج الغامض بالجميل.

يصبح الشعر في أحد وجوهه المتعددة عملية فك شفرة بلغة مشفرة وترجمة للرمز بلغة رمزية, ليس من أجل الفهم, بل كسيرورة اختبار لما تفعله بنا دلالاته المتعددة التي لا تبحث عن مكتشفها بقدر ما تبحث عن أثرها الماتع واللذيذ في المترجم والمبرمج وعمو عياش عامل النظافة!

يصبح الشعر جوهر غير مرئي (لوجوس) إلا من خلال أعراضه النصوصية (إيروس) المتمثلة بالأعمال الشعرية والروائية والقصصية والتاريخية… إلخ.

والشعر في مسيرته من العمودي إلى التفعيلة ثم قصيدة النثر والنص المفتوح, بمثابة رحلة صاعدة نحو جوهره لا ابتعاداً عنه أو نكوصاً كما يُظن. وهو في هذه الرحلة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل يتخفف من أثقال تبعيته للسحر والأسطورة والدين والمجتمع والمدح والهجاء والرثاء بغية الوصول إلى المطلق والعودة إلى جوهره الأول. هي رحلة خلاص يتعرف فيها الشعر على نفسه, يتعثر أحياناً ويخفق أخرى, لكنه موعود بالعلو.

ولأن الشعر كل ما سبق, حُقَّ له أن يخرج من دائرة الأدبي إلى فضاء يكون فيه مصدراً وجوهراً لنفسه وغيره من الكليات المعرفية والأدبية. في البدء كان الشعر, وكان عرشه في السماء ثم استوى على الماء, وهو في رباط رحلته الصاعدة إلى موطنه من جديد موعود بالعود الأبدي إلى مصبه!

من وحي قراءتي لكتاب (العقل الشعري) لخزعل الماجدي

حديث المؤامرة

coseperacy

يدور الجدل حول المؤامرة بين طرفين, طرفٌ يثبتها, وطرف ينكرها, والطرفان يعتبران العلاقات الدولية إما عداء مطلق أو أخوة وصداقة مطلقة. والأقرب إلى الصحة, برأيي, هو أن المحدد الأول لسياسات الدول وعلاقاتها هي المصلحة, وعلى ضوء هذه المصلحة لا يوجد أعداء دائمون ولا أصدقاء دائمون, ولكن توجد مصلحة دائمة, كما عبر ونستون تشرشل. مصلحة الدولة تقتضي بأن تكون السياسة (الخارجية) صراع دائم مع الأعداء والأصدقاء معاً, وفي ظل هذا الصراع تُرسم سياسات مرحلية واستراتيجية, وسياسات معلنة وأخرى سرية. وما يجب أن نعلمه أن السياسات المعادية لا تعبر عن عاطفة كره أو حقد ولكن عن أولوية مصلحة على حساب أخرى.

وعلى ذلك يُفضل استعمال أو استبدال كلمة (صراع) محل كلمة (مؤامرة), فالأولى تعبر عن مصلحة متقلبة أو متغيرة, والثانية تعبر عن عقيدة أو عاطفة متأصلة. واستمرار السلم بين دولتين لفترة طويلة يقوم على حفظهما للمصالح المشتركة دون الحاجة إلى اللجوء إلى القوة, وهذه العلاقة متحققة ليس فقط بين الدول القوية وبعضها, ولكن بين دول فقيرة وضعيفة ودول غنية وقوية.  استمر في القراءة

وداعا لينين, وداعا للأكاذيب

goodbye-lenin

“لقد كنا نطير في عتمة الليل, تماماً كما في أعماق الكون, على بعد سنوات ضوئية من النظام الشمسي مروراً بمجرات غريبة فيها أشكال غير معروفة من الحياة ثم هبطنا في مكان مجهول”.

النقد الساخر هو طريقة أخرى للقول: لا يوجد شيء يستحق النقد الجاد, والنتيجة أن المتلقي سيكتفي بالضحك, أما الكوميديا السوداء بصيغتها التهكمية وسخريتها المضمرة فهي من أشد أساليب النقد تأثيراً خصوصاً عندما تُقدم بلغة سينمائية راقية وحرفية عالية يجنبها الفكاهة المجانية ويضعها في خانة النقد الجاد. هذا ما أراه متحققاً في الفيلم الألماني (وداعاً لينين Goodbye Lenin) الذي صدر في العام 2003, وأخرجه وشارك في كتابته وُلفجانج بيكر, ورشح لجائزتيّ الجولدن جلوب والبافتا لأفضل فيلم أجنبي, كما ترشح مخرجه لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.

العنوان المراوغ

استمر في القراءة

طعم الكرز جماليات الفكرة وبساطة التنفيذ

taste-of-cherry-movie-poster-1997-1020196620

كم من ثمار الكرز علينا أن نتذوقها لنتوقف عن التفكير في الموت؟!

في جماليات الفكرة وبساطة التنفيذ تكمن أهمية فيلم (طعم الكرز The Taste of Cherry), لمخرجه وكاتبهعباس كيارستمي الذي رحل في 4 يوليو 2016 تاركاً إرثاً غنياً يفوق الأربعين فيلماً. ربما لهذا السبب يُعد الفيلم قطعة فنية Masterpiece أو تحفة بتعبيرنا الدارج. عُرض الفيلم عام 1997 ونال السعفة الذهبية في مهرجان كان Cannes 1997 كما حصل على جوائز أخرى.

الولوج إلى اللغز

في المشاهد الأولى سترى صور متفرقة للفقر والبطالة متجسدة في العمال وهم على الطرقات يبحثون عن عمل. والمناطق التي يتجول فيها بادي بسيارته تقع خارج المدينة, في منطقة شبه خالية من السكان ويكثر فيها الحفارون وفيها الحياة قاسية, لتكون المعادل الموضوعي لما يعتمل في صدر بادي.

يقود بادي سيارته بحثاً عن شخص يساعده في مهمة, نظير مبلغ من المال. ستمر المشاهد الأولى دون أن تعرف طبيعة المهمة؟ يصعد إلى جانبه في السيارة أشخاص من قوميات مختلفة, جندي كردي شاب ثم طالب أفغاني, يحاول بادي إغراءهما بالمال لكنهما يرفضان, ثم يعثر على ضالته أخيراً, السيد (باجير), تُركي عجوز يعمل في تحنيط الحيوانات في متحف الحياة الطبيعية.

يقبل باجير أداء المهمة لأسباب, منها فقره, ومرض طفله, ثم أن له تجربة مماثلة وهي محاولته الانتحار وهو شاب, لولا أن طعم التوت أنقذ حياته, كما أن تعامله مع جثث الحيوانات يسهل مهمته مع جثة بادي. اللغز ليس في الموت إذن ولكن في الدفن, مع أن الدفن أمره بسيط في ثقافة تسود فيها عبارة “إكرام الميت دفنه”, لكن هذه الفكرة الغريبة ستكون عتبة للولوج إلى فلسفة الحياة والموت.

أسئلة الحياة وجواب الموت 

استمر في القراءة

سينما الحياة الجديدة

Nuovo-Cinema-Paradiso_poster_goldposter_com_11

سينما باراديسو الجديدة  Nuovo Cinéma Paradiso

هذا فيلم لا ينبغي لأحد أن يموت قبل أن يشاهده وإن شاهده لن يفكر إلا بالحياة.

رياض نسيم حمَّادي

مدخل

هذا الفيلم لا يبلى لكثرة مشاهدته وتقادم الزمن عليه, ولا يحترق بالحديث عنه لآخرين لم يشاهدوه, وذلك لتفاصيله الصغيرة التي لا تقال. أما خطوطه العريضة فيمكن سردها على النحو التالي:

عن طفل اسمه توتو يحثه ألفريدو على الرحيل إلى روما وعدم العودة إلى البلدة. بعد ثلاثين عاماً تتصل أمه وتخبره عن وفاة ألفريدو وموعد جنازته. وقبل أن يعود توتو بجسده عاد بروحه وذكرياته إلى أيام طفولته ومراهقته, والمسافة الزمنية بين توتو الطفل وتوتو صانع الأفلام الشهير هي الفيلم كله الذي يجب أن يُشاهد لا أن يُقال, أو يُقرأ عنه.

العنوان

العنوان عتبة للولوج إلى النص, وعنوان النص السينمائي هنا يتكون من ثلاث كلمات لها دلالات تربط بين عالم الخيال, الذي يمثله العنوان (سينما براديسو الجديدة), وعالم الواقع, فينتج العنوان (سينما الحياة الجديدة) أو (جنة الحياة الجديدة) على اعتبار أن معنى براديسو في الأصل تعني جنة أو فردوس. وسنجد في سياق هذا المقال ما يدعم هذا التداخل بين عالم الخيال الذي تمثله سينما براديسو وبين عالم الواقع الذي تجسده شخصيات الفيلم وتُجسِّدنا في الوقت نفسه.

قضايا سياسية واجتماعية ودينية

مدة الفيلم ساعتان وثلاث دقائق يتقاسمها توتو الطفل وتوتو اليافع بالتساوي, أما توتو أو سلفاتوري البالغ فقد تمثل دوره في استعادة أيام صباه ومراهقته بحلوها ومرها, خصوصاً تلك التي تربطه بألفريدو, ثم عودته في نهاية الأحداث إلى مسقط رأسه. ويمكن تحديد ثلاث قضايا يتعامل معها الفيلم, اجتماعية وسياسية ودينية, تتداخل وتتطور في شبكة علاقات من مرحلتين, يقوم فيها المجتمع بدور الدمية والدين ثم السياسة والمال بدور الخيوط المحركة.

تسود في المرحلة الأولى سلطة رجال الدين؛ نظراً لانشغال السلطة السياسية بالحرب العالمية الثانية. وهناك مشهدان يلمحان إلى موقع السينما في قلوب الناس في مقابل الكنيسة والمدرسة. مشهد القس وهو يؤدي قُداس المساء وتوتو ممسك بالجرس وهو ينعس, ومشهد التلاميذ وهم في المدرسة. فالكنيسة والمدرسة تُشْعِران المرء بالملل أما السينما فمكان لقضاء أمتع الأوقات. هذا الموقف السلبي من الكنيسة سببه سلطة القمع التي تمثله الكنيسة. فالقس في المرحلة الأولى يقوم بدور الرقيب على السينما, يشاهد الأفلام قبل عرضها ويقتطع منها مشاهد القبل والمشاهد التي يعتبرها مخلة بالذوق وخادشة للحياء. يقول رجل أثناء عرض فيلم في سينما باراديسو: “عشرون عاماً أذهب إلى السينما ولم أر قبلة واحدة”.  استمر في القراءة

طقوس مضاجعة الكتب

the reader

الطريقة المثلى لقراءة كتاب هي أن تقرأه وكأنك ستعيش إلى الأبد وأن العالم قد خلا من الكتب ما عداه. بهذه الطريقة ستملك الوقت الكافي للقراءة وقد تجد الكتاب ممتعاً, لكن ليس هذا بالأمر المهم, المهم أن لكل كتاب إيقاع سردي فإن لم تضبط إيقاعك النفسي معه ستفشل عملية القراءة, والاستعجال يقف في مقدمة الأسباب التي تؤدي إلى تعكير صفو الإيقاعين.

سبب الاستعجال هو وجود كتب أخرى تدعوك لقراءتها, دون أن تدرك أن الكتاب الذي بين يديك يشعر بالغيرة وغالباً ما تنتهي العلاقة بينكما بوضعه جانباً قبل أن تكملا قصة العشق.

لا يمكن تحديد عدد الساعات والأيام التي تقضيها في قراءة كتاب بناء على عدد الصفحات. الكتاب هو من يحدد, وكل كتاب له شروطه, تماماً مثل بائعات الهوى, الفرق أن بائعة الهوى تقبض الثمن ثم تنصرف بعد انتهاء اللقاء. أكثر الكتب من هذه النوعية, لا تصلح سوى لمضاجعة واحدة, وقد ينتهي اللقاء دون بلوغ الذروة, لكن ثمة كتب كالعشيقات, تستمر العلاقة فترة طويلة, ولحسن الحظ أنه لا يمكن الزواج بالكتب, وإلا لانتهت العلاقة مثل كثير من العلاقات الزوجية.  استمر في القراءة

لعبة الممكن والمستحيل – الله والنساء و مايكل جاكسون

falling-stars

لماذا تسقط النجوم من عليائها؟

كبسولة: الإله الذي يركل أكثر قداسة من الإله الذي يصافح.

الذين تمكنوا من مصافحة مايكل جاكسون, سقط من أنظارهم, وقد كانوا يعتقدون أنه لا يذهب إلى الحمام مثلهم!

ولو أن مايكل ركلهم بحذائه بدلاً من مصافحتهم لازداد ألوهية في نظرهم. فالإله الذي يركل أكثر قداسة من الإله الذي يصافح. هذه حقيقة أكثر صحة من كثير من الحقائق المقدسة. لكن مايكل أراد أن يثبت لهم أنه بشر مثلهم وليس إلهً كما يهتف البعض وهو على المسرح.

ولأن الإله الذي يركل أكثر قداسة من الإله الذي يصافح, سيكون من الغباء أن يظهر الله للمؤمنين يوم القيامة. عليه أن يظل متوارياً عن الأنظار حتى لا تسقط صورته من أعين مريديه. هذا هو السبب الوحيد, برأيي, الذي من أجله لا ترون الله يا معشر الملحدين.

لكن, لماذا تسقط النجوم من عليائها؟  استمر في القراءة

بواسطة Riyadh Al-Hammadi نشرت في حفريـ@

لقاء مؤقت وحب لجميع الأوقات

9-2 five to seven 5 to 7 - 3

في زمن الفروسية, عندما كان يعلم الزوج بخيانة زوجته يدعوا عشيقها للمبارزة. ولأن الحياة دأبت على تنغيص سعادة المحبين, يكون الموت نصيب من يحب الزوجة أكثر. في أزمنة لاحقة يكون الموت من نصيب الزوجة تحت عجلات القطار كما حدث لآنا كارنينا. أما في زمن (برايان) و (آرييل) في فيلم (5 إلى 7) فقد تطورت الحياة إلى درجة من الشفافية والمكاشفة بين الزوجين بحيث يتقبلان وجود حب آخر في حياة كل منهما. لكن للحياة طرق أخرى غير الموت لتنغيص متعة المحبين.

استمر في القراءة